تردادها عليه ، فتكون منزلته في ذلك منزلة ساقطة الحديد إلى الأرض لا تزال
الأرض تأكلها ، وتصدأ هي ويعلوها الذرى ، ويطول ذلك حتى يخرقها ، وينفد
عرضها ويقصر طولها ، فيبطل لذلك منها ما صنعت له .
وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله - جلَّ قوله - وهو أعلم:"ممن وجدتم في"
قلبه مثقال ذرة من خير"وإنما خير الحديد مضاؤه في عمله وقيامه فيما وجد له ،"
ثم قد نجد الصداء فيها ويغلب عليها آفة الذرى ، فلا يبقى مما هو حقيقة الحديد
منها على طول بلاها في الأرض وقرب الندى منها ، ولزوم ذلك لها إلا شبهه باطنه
لا تتميز إلا بالنار ، فمثل تخليص هذه الساقطة من الحديد من ذراها الغالب عليها
في نار الدنيا ، ليخرج منها ما هو حقيقة الحديد .
وإن قلَّ ذلك منها كمثل جعل أولئك في نار الآخرة ؛ ليخلص منهم الطيبات
من الخبيث ، وذلك المخلص منهم - والله أعلم - هو المعني بقوله عزَّ قوله:"مثقال"
ذرة من إيمان وأدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة"نعوذ بالله العظيم برحمته من"
عذابه قليله وكثيره ، ونسأله فإنه الرحيم أن يتغمدنا برحمته .
فالإيمان بقوته ومجاهدته وإنكاره ، وغيرته على الفواحش مثال الحديد ، لشدة
بأسه وقوته ، والأرض والندى في إبطاله وتعفينه ، وإذهاب حقيقته كالذنوب بعد
الذنوب في توهين الإيمان وإبطال عمله فما وجد له ، وكما قد تذهب الأرض الحديد
جملة ، وتحيله إلى نفسها كذلك يذهب كثرة الذنوب الإيمان إهلاكًا وإبطالًا ، وهذا
هو الذي أحاطت به خطيئته ، فينزع منه بمشيئة الله جلَّ ذكره بما هو من شبهه
الإيمان عند الموت ، فلا يخرج من النار أبدًا إذا لم يبقَ فيه ما يخلص منها .
وأما قوله - عز من قائل في الجنة: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)
فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خبره الصادق عن إسرائه:"فوجدت آدم"
في السماء الدنيا لإبراهيم في السماء السابعة"وذكر الأنبياء - صلوات الله وسلامه"
على جميعهم - فيما بين ذلك من السماوات على منازلهم ، قال - جلَّ جلالُه -:"وجدت"