شاء الله - جلَّ جلالُه - .
وقد يكون السلام مقاربة المعصية دون إكمالها ، وهذا الطريق الأولى الذي هو
مقايسة بعض المعاصي ببعض ، فالنظرة لا محالة أصغر من الزنى ، وإن كان اسم
المعصية والزنى يشملهما لكن النظر مع الإصرار أكبر من مواقعة الذنب ؛ لأن الذنب
يعقبه الندم والاستغفار .
ومن ذلك قول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: صغيرة بصغيرة مع إصرار ، ولا
كبيرة بكبيرة مع استغفار .
فمن أصبح تائبًا من كبائره متبرئًا من صغائره ، متبرئًا من بدايات ذنوب لم
يصبها من بقايا عوائده وسوء ضراوته ، مستغفرًا من جميع ذلك ؛ مستعيذًا بالله من شر
نفسه ، فهو التائب إن شاء الله تعالى .
ومن اجتنب الكبائر مع إقامة الفرائض غفرت له من صغائره إذا عزبت نفسه
عن الإصرار ، ولكل مؤمن ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة ؛ لأن المؤمن مفتن تواب ،
والله بفضله وكرمه يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وهم الذين يصبحون ويمسون
تائبين من صغار ذنوبهم وكبائرها ، والذين يقيمون الفرائض ويسارعون في الخيرات ،
وإن كانت لهم ذنوب يأتونها من غير تعمدٍ لها ولا عمل عليها .
(فصل)
انتظم قوله هذا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) من حيث
المعنى بما تقدم من صدر السورة إلى قوله جل قوله:(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)فإن كل ما ذكره من أول السورة
إلى هَاهُنَا في الكبائر أولها ترك التقوى ، والوصية بالنساء واليتامى وأموالهم ،
والوصايا والوعيد عليها ، وذكر الزنى ، وتحريم ذوي المحارم إلى قوله:
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) .
ثم ذكر المتعة وعاد إلى الوصية بالأموال أن يؤكل بالباطل ، أو غير وجه من
الوجوه التي يحل بها وقتل النفس ، ثم الوعيد على ذلك .