فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 2809

كالمعهود في الدنيا إنما هو صب يصب عليهم ، فتقع الجلود كشطًا لها عنهم ،

ويصل ذلك إلى أجوافهم ، فيصهر حثوه فتقع من دبره ، ثم يسجرون في النار على

حالهم تلك ؛ أي: يوقدون فيها ، فإذا انتهوا إلى ذلك عادوا إلى ما كانوا عليه ، ثم

يذوقوا عذابا غيره هكذا أبدًا .

ولا عبرة باعتراض من اعترض بمعنى الغيرية في قوله جلَّ قوله:(بَدَّلْنَاهُمْ

جُلُودًا غَيْرَهَا)فإن الجلود مخلوقة من أجسامهم ، وذلك مشاهد بالوجود ، فإنا نرى

من أصاب الجسد منه خدش أو سجح موضع منه ، أخلف الله - جلَّ جلالُه - من نفس الجسد

جلدًا متصلًا به ، وهو غير ذلك الجلد المسلوخ ، وعلى ذلك فإنه جلد لذلك العضو ،

فهو الذاهب غير ، وهو خالف له من نفس الجسد الذي كان الذاهب جلدًا له وهو

منسوب إليه ، ولم نرَ جلدًا آخر أحرقته النار خلف جلد مكانه شبيه الأول في بشرة

ولون ، وتلك آية على تبديلهم جلودًا هي أقبح مرأى وهيبة من التي كانت قبل .

وهو الله الذي لا إله إلا هو المصور ، لا يعجزه صورة يصورها في الحسن

والقبح ، فهذا تأويل آخر من تأويل قوله - جلَّ جلالُه -: (جُلُودًا غَيْرَهَا) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ

حَدِيثًا (87) ، وهذا من مقدره الغائب كإيجاده عن ذات الميت ذاتًا ينقل إلها الحياة ، تشتق

هذه الحقيقة من تلك الذات ليست الذات المشتقة منها ، ولا هي غيرها ، ولا يصح

الاعتقاد ولا القول بأنها غيرها ، بل هي موجودة منها وعنها بل هي هي ، فإنها الذات

التي أخذ عليها الميثاق في البدء الأول .

قال الله - عزَّ من قائل - يخاطب ذواتا هذه(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)أي: فيما هنالك(إِنْ

كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)؛ أي: بما أنبأناكم به من قضاء القضية وأخذ الميثاق عليكم ، وتطلب

ذلك في سائر الموجودات تُصب إن شاء الله .

أعقب ذلك بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) العزيز في

انتقامه ، الحكيم الذي أحكم صورة جزائهم على صورة أعمالهم ، فلم يعذب غير

المسيء ولا أثاب غير المحسن ، وذلك قوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)

وهذا من مقدوره الغائب كإيجاده مثالًا للميت يكون ذاتًا له ، ويكون

ذلك المثال هو الحي يشتق هذه الحقيقة من حق تلك الذات التي بطنت بالموت ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت