فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 2809

زوجه ، وبلغه ما لم يأمل ، ثم أنظر بماذا أخرجه عن مسكنه ذلك ، وأزعجه عن قراره ،

وكذلك خلقه المولود في طبقات خلقته ، ثم كيف يخرجه وإلى أي لطف ، وأي

تيسير وتسبيقه له الإحسان في ذاته ومعاشه ودينه ، ثم انظر ما الذي يباعده عنه بعد

الإعذار والإنذار بالحق اليقين ؛ إذ أنه ما أصابنا من حسنة فمن الله ، وما أصابنا من

سيئة فمن أنفسنا وشؤم أعمالنا ، والحمد لله .

لهذا قال عزَّ من قائل: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78)

دلَّ - سبحانه وله الحمد - على سبيل التفقه في كتابه العزيز ، وأن

بالتدبر يزداد التفكر وبتثوير بعضه من بعض يكون الفقه فيه والفهم عنه ، فانتظم

هذا بما قبله أو بما يكون من بابه في القرآن العزيز ، يقول: تدبرت القول ؛ أي:

قايست بعضه إلى بعض ، وناظرت بين فصوله ومعانيه .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) .

وقال جل قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) يعني: يتعرفونه بصدقه ،

وإنباء بعضه على بعض وتناظره ، ومطابقة بعضه بعضًا ، فهو واحد أحد لو كان من

عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ، فهذا يدلك - إن شاء الله - جلَّ جلالُه - على أن القرآن

كله أنزله منزله - جلَّ جلالُه - ليُعلم وليُفهم ، لكن ليس ذلك إلا للعالمين .

ألا ترى أن معنى قولهم:"تدبرت الأمور"تطلبت مبادئها ومآلها ، وتقديم ما هو

الأولى بالتقديم منها ، وتأخير ما هو أولى بالتأخير ، وكيف ومتى وأين ، كذلك تدبر

القول على هذا النحو .

(فصل)

لما كان العالم كله أوله وآخره ، علوه وسفله ، ظاهره وباطنه محكما متقنًا متفقًا

متفق الاختلاف ، وربما كان في داخله مختلف الاتفاق ، راجعًا بجملته إلى الاتفاق

مفصلًا وموصلًا ، ومصورًا أحسن صورة ، مقدرًا أحسن تقدير ، قد أعلى منه صانعه

الحكيم ما هو أولى بالعلو ، وأسفل منه ما هو أولى بالسفل ، وأظهر منه ما هو أولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت