زوجه ، وبلغه ما لم يأمل ، ثم أنظر بماذا أخرجه عن مسكنه ذلك ، وأزعجه عن قراره ،
وكذلك خلقه المولود في طبقات خلقته ، ثم كيف يخرجه وإلى أي لطف ، وأي
تيسير وتسبيقه له الإحسان في ذاته ومعاشه ودينه ، ثم انظر ما الذي يباعده عنه بعد
الإعذار والإنذار بالحق اليقين ؛ إذ أنه ما أصابنا من حسنة فمن الله ، وما أصابنا من
سيئة فمن أنفسنا وشؤم أعمالنا ، والحمد لله .
لهذا قال عزَّ من قائل: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78)
دلَّ - سبحانه وله الحمد - على سبيل التفقه في كتابه العزيز ، وأن
بالتدبر يزداد التفكر وبتثوير بعضه من بعض يكون الفقه فيه والفهم عنه ، فانتظم
هذا بما قبله أو بما يكون من بابه في القرآن العزيز ، يقول: تدبرت القول ؛ أي:
قايست بعضه إلى بعض ، وناظرت بين فصوله ومعانيه .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) .
وقال جل قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) يعني: يتعرفونه بصدقه ،
وإنباء بعضه على بعض وتناظره ، ومطابقة بعضه بعضًا ، فهو واحد أحد لو كان من
عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ، فهذا يدلك - إن شاء الله - جلَّ جلالُه - على أن القرآن
كله أنزله منزله - جلَّ جلالُه - ليُعلم وليُفهم ، لكن ليس ذلك إلا للعالمين .
ألا ترى أن معنى قولهم:"تدبرت الأمور"تطلبت مبادئها ومآلها ، وتقديم ما هو
الأولى بالتقديم منها ، وتأخير ما هو أولى بالتأخير ، وكيف ومتى وأين ، كذلك تدبر
القول على هذا النحو .
(فصل)
لما كان العالم كله أوله وآخره ، علوه وسفله ، ظاهره وباطنه محكما متقنًا متفقًا
متفق الاختلاف ، وربما كان في داخله مختلف الاتفاق ، راجعًا بجملته إلى الاتفاق
مفصلًا وموصلًا ، ومصورًا أحسن صورة ، مقدرًا أحسن تقدير ، قد أعلى منه صانعه
الحكيم ما هو أولى بالعلو ، وأسفل منه ما هو أولى بالسفل ، وأظهر منه ما هو أولى