راحلة ، من حسن خلقه غفر ذنبه وأقيلت عثرته ، ومن ساء خلقه عوقب في حياته ،
ولم يصفح عن زلته بعد مماته ، إنما الدنيا وإن رمقت خطرة من لحظ ملتفت
يحسن بالمرء التعلم ما دامت به الحياة .
وقال بعضهم: ما أحب أن النفس علمت كل ما أوجدت به ، فقيل
له: لِمَ أيها الحكيم ؟ فقال: لأنها لو علمت لطالت ، فلم ينتفع بها ما عندي
من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست بعالم الاتكال على القضاء أروح.
وقلة الاسترسال إلى الناس أحزم ، إذا هرب الحكيم من الناس فاطلبه .
وإذا طلبهم فاهرب منه ، ليس ينبغي للرجل أن يشغل قلبه فيما ذهب منه .
لكنه ينبغي أن يعنى بما يبقى عليه .
وإنما اجتلبنا بعض حكمهم وكلامهم ، وأومانا إلى بعض الإشارة إلى
سيرتهم ، وإن كان الأكثر منهم لهم آراء في طريق المعرفة غير ناهية ؛ وعقود
غير مبلغة إلى المطلوب ، وعلم بالدار الآخرة غير مصيب ، فلم يكن الغرض في
اختلاف أقاويلهم التصويب لأكثرها ، ولا ترشيد جملتها ، بل لم تكمل الهداية
إلا لهداة المسلمين ، ولا تصورت الحكمة صورة ماثلة ، فلاحت كالسبيل السابلة ؛ إلا
لأئمة المتقين في الأولين والآخرين ، لكن الغرض توجيه قوله الحق:(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا
أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ . . . ).
فأنت مع توفيق الله إذا تصفحت أمرهم واستعرضت أكثر قولهم علمت أن
توجيه قوله - جلَّ جلالُه - يمكن أن يكون المعني به هذه الأمة (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ