(فصل)
صدر هذه السورة منتظم بآخر سورة الأنفال ، لما ختم سورة الأنفال بذكر
الولاية ومن يوالي ومن أحق بذلك ، وفصَّل ذلك ابتداء هنا بالبراءة ممن يستحق
التبرؤ منه ، ولذلك أشكلت على الأئمة من الصحابة - رضي الله عنهم - فلم يفصلوا بينهما بسطر
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)
الكلام يقال على وجهين:
أحدهما: معنى يعبر عنه ، وهو في النفس كما قال القائل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
وقال بعضهم: في كلام له إنما المرء بأصغريه لسانه وجنانه ، إن تكلم تكلم
بلسان ، وإن أقدم أقدم بجنان، فاعتمد على أن الكلام هو ما خرج على اللسان ،
فحقيقة الكلام فينا هو صوت مؤدٍ لمعان قائمة في النفس تصورها حروف
مقطعة مركبة أشكالًا ، فالمسموع هو ما في النفس بواسطة الصوت المؤدي به إلى
السامع ، والسامع هو المؤدى إليه ، والسماع هو صدور المسموع بواسطة الصوت
[المسمع] إلى سمع السامع ، فالحروف وضعت للمعنى ، ولم توضع المعاني
للحروف ، وموضع الحروف إنما هو في الفم واللهاة ومنفد الخيشوم والأسنان
والشفتين ، وهو القول المعبر عما في النفس من معنى هو الكلام ، والله تبارك وتعالى
متكلم وهو غني عن الآلات متعال عن الافتقار إلى الأدوات ، فهو المتكلم
بالحقيقة ، ولا يجوز أن يشار بكلامه إلى آلة ولا يوصف بجارحة .