فهرس الكتاب

الصفحة 1224 من 2809

هُمْ يُوقِنُونَ (4) .

وقد تقدم في صدر الكتاب أن علم الغيب على درجات ، فالعلم بالله - جلَّ جلالُه -

ووجوده ووحدانيته وألوهيته ، والعلم بأسمائه - جلَّ جلالُه - وصفاته بدلائل ذلك ، وبراهينه

وشواهده من الموجود والكتاب ، ثُمَّ العلم بالكتاب والرسول والنبوة ، وما جاءت به

وما نحا نحو ذلك وما جر إليه ، ثم العمل بالعلم والعلم بالآخرة ، وإنها موجودة

على أبعد الغايات وأنهى النهايات على القول بالإجمال ، والقطع بعلم: لا ريب فيه

وربما أدرك بعضهم من التفصيل طرفًا لكن بشرط الإيمان بأن وراء ما أدركه ما لا

عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، يعلم لذلك أنبياءه بعلم لا

ريب فيه ، ثم ما بين هذه المنزلة والمنزلة التي أدركها بتفصيل ما مهامه علوم بعيدة

الآفاق ، وبحار معارف لا يعبرها إلى ذلك المزيد إلا صريح الإيمان مع طمأنينة

النفس ، ومساعدة العقل الإيمان ، وانشراح الصدر لعظائم ترد على خارجة

عن المعهود ، فهذا وشبهه من علوم الموقنين .

ثم - أعلم علمك الله العليم من علمه وأجزل حظك من معرفته - أن العلم

الذي يخص الصديقين واحد إلى ما تقدم ذكره هو علم واحد أوله علم الفطرة ،

وهو علم عموم المؤمنين والمعرفة واحدة ، فلا تحسبنها مختلفة ، أعني: معرفة

الصديقين ومعرفة العوام في أولها ، لأن الخالق واجد والمطلوب واجد

والمعروف بها واحدة ، والفطرة واحدة ، إنما هو الله - جلَّ جلالُه - نبَّه رجالًا فانتبهوا .

ولو أن من قرأ العلم على العلماء وسمعه منهم رجع إلى ربه فقرأه عليه ، ثم

طلب منه حقيقته حتى يسمعه بإذن قلبه ، ويعيه منه بحقيقة ذاته انتفع به ، وبلغ منه

حيث لم يحتسب ، فاعمل - رحمك الله - بما تعلم يعلمك الله ما لم تعلمه ، والمقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت