فهرس الكتاب

الصفحة 1228 من 2809

فتوحيدهم في الأعمال على حقيقة التوكل ، لأن التوكل هو فعل القلب

وعلمه كما أن حلول التوحيد فيه هو علمه ، واعتقاده التوحيد هو علمه ،

والتوحيد ينقص بنقصان التوكل ؛ إذ التوحيد عبارة عن معانٍ ثلاثة ، وهو علمك ألا

يفعل فعل الله غير الله ونفي التهمة عنه وعلمك بما يعرف هو ظاهر التوكل ، فإذا

نقص العمل بذلك نقص التوحيد .

وأما توحيدهم في رؤية الأشياء فهو أنهم لا يرون الدواء والشفاء في الأطعمة

ولا في الأشربة ، ولا يرون الشبع والرِّي في المآكل ولا في المشارب ، وإنما يرون

الشفاء فيما أحل الله وفي العمل بطاعته ، والداء كله فيما حرم الله والعمل بمعصيته ،

ولا يرون الموت إلا الكفر ، ولا الحياة إلا الإيمان بالله والعمل بطاعته ، ولا مرض

إلا الشك ، ولا دنس إلا دنس العصيان .

ومن توحيدهم: أن ليس للأشياء فعل بأنفسها قطعًا ، وإنما الأفعال التي تشاهد

منها إرادة الله بها ، وفيها استوى عندهم وجود الموجودات في استمرارها على

معهودها ومعارفها ، وفي إخراجها عن أسبابها بخرق العوائد فيها ، فإذًا لا فاعل

ولا ضار ولا نافع إلا إرادة الله بها وفيها ، ولذلك ما استقر بهم التوحيد على أن الله

جلَّ ذكره ان شاء أن يحرق بالذي به بردوا ، إن شاء أن يبرد بالذي به أحرق ، وإن

شاء أسقم بالذي شاء أن يبرئ به ، وإن شاء أن يبرئ بالذي شاء أن يسقم به ، وإن

شاء أشبع بالذي شاء أن يجوع به ، وإن شاء جوع بالذي شاء أن يشبع به ، ليس

عندهم في الأشياء معانٍ تُفعل بذاتها ، بل الفاعل الحق بها هو الله وحده لا

شريك له ، فمن يسره الله للتوحيد الأعلى يسره للعمل بمقتضاه ، فهو صديق من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت