فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 2809

(كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) البرق (مَشَوْا فِيهِ) جعل مدة إضاءة البرق لهم

كمدة خطرات الهداية لهم أعني: اليهود والمنافقين ، كلما خطر لهم الهدى اتبعوه ،

وكلما صحبتهم العافية من القتل والسبي والموت الذي لا بد منه عاشوا به .

وقد يكون معنى قوله الحق: (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) أي: عاشوا(وَإِذَا

أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا)أي: ماتوا شبه مدة بقائهم في الدنيا إلى طول مقامهم في

الآخرة بخطرة البرق ، وزواله بزوال الحياة والعافية عنهم .

والظلمة بعد البرق أشد إظلامًا ، وكان هذا إنذار منه لهم بما أصابهم من

الجلاء عن أوطانهم إلى تيماء وأريحاء ، وما أصاب بعضهم من القتل والسبي ، وهم

بنو النضير الذي عبر عنه قوله - جلَّ جلالُه -:(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)إلى قوله:(وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي

الدُّنْيَا . . . ).

وقوله: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي

قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ).

وفي حق المنافقين مع ما تقدم ذكره شبه انتفاعهم بالإيمان والذين يراؤون به

بانتفاعهم في هذه الحياة الدنيا من حرز أموالهم ؛ وقبض الأيدي عنهم ، كما شبه

سرعة انقضاء الدنيا عنهم بسرعة انقضاء خطف البرق إلى جنب ما يصيرون إليه من

بقاء الأمد في الآخرة ، والبرق موضع الرجاء من العارض المقبل على الأغلب من

مجرى العوائد ، والرعد موضع الوعيد .

ثم ثنى المثلين أحدهما على الآخر بعدما وجه الخطاب إلى وجهتيه كما ثنى جل

ذكره صنفي المؤمنين في أول السورة بعدما وجه الخطاب إلى وجهتيه إحداهما على

الأخرى؛ لاشتراكهما في وصف الإيمان والهداية والفلاح ، ولذلك داخل بينهما .

ثم قال في الصنفين المذمومين: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)

أي: بصفاتهم الظاهرة كما ذهب بصفاتهم الباطنة (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت