فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 2809

الثواب والعقاب في العاجلة والآجلة (قَدِيرٌ) .

قوله - جلَّ جلالُه -: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) الغيب عبارة عن كل ما بطن فلم

يظهر ، وغاب عن الحواس الظاهرة والباطنة فلم يعلم بالمشاهدة ، بل إيمانًا وتسليمًا ،

وهو - أعني: الغيب - في حق الأكثرين أكثر منه في حق الآخرين .

قال الله العليم الخبير: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يعلمون

ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ، ومن وقف بعلمه على أن لها غيبًا

وغيوبًا لا يعلمها فهو عالم بوجه من هذه الجهة ، وإنما الموت كله والجهل أجمعه

عند من جهل وجهل جهله ، ومن عرف علم صورة الجهل ، فهو عالم عاقل ، وإنما

الجاهل من جهل صورة الجهل ، ومن طلب الحكمة من طريقها الذي جعله الله دركًا

لها وسبيلًا إلى معرفتها أدركها بعون الله تعالى .

وإنما فقدها الأكثرون لأحد وجهين: إما لجهلهم بوجودها وإن مطلوبًا هو

الحكمة مدرك ، ولزهدهم فيها فنكبوا عنها فلم يرهم اللَّه - جلَّ جلالُه - أهلًا ، ورفعهم عنها

عقوبة لهم ؛ لأجل إعراضهم عنها ، وربما طلبوها من غير طريقها فضلوها ، ولم

يدركوها من تلك الطريقة لم يطلبوها من طريق أخرى ، بل كذبوا بوجودها وأنكروا

أن تكون لها صورة خاصة ، فيحملهم جهلهم على أن يجهلوا .

ثم قد يكشف الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بصائر بعض عباده فيبصرونها في

غيابات الغيوب بما لا يراه الغافلون ، ومَن هؤلاء ؟ هم المتقون الذين يؤمنون

بالغيب ، [فيعبدون الله] جل ذكره رغبًا ورهبًا ؛ ذلك لما أدركوا ببواطنهم يخوب الآخرة

رأوا غيب الحق ، وشاهدوه علمًا ويقيا ، وهؤلاء هم الموقنون .

واعلم أن للغيب غيبًا كما أن للظاهر غيبًا وسرًّا وخبأ ، كذلك للغيب ، بل هو

أعرق وصفًا في الغيب ، وهذا القول منا على سبيل التقريب ، وبحكم ما هو مضاف

إلينا ، وإلا فهو علم واحد له أدنى وأعلى فافهم ، فلا تزهدن في الازدياد من العلم ،

ولا تقنعن بأوائله ، وطالب وثابر (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) .

(فصل)

قال الله جل من قائل: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) ويعلم السر في السماء ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت