الثواب والعقاب في العاجلة والآجلة (قَدِيرٌ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) الغيب عبارة عن كل ما بطن فلم
يظهر ، وغاب عن الحواس الظاهرة والباطنة فلم يعلم بالمشاهدة ، بل إيمانًا وتسليمًا ،
وهو - أعني: الغيب - في حق الأكثرين أكثر منه في حق الآخرين .
قال الله العليم الخبير: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يعلمون
ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ، ومن وقف بعلمه على أن لها غيبًا
وغيوبًا لا يعلمها فهو عالم بوجه من هذه الجهة ، وإنما الموت كله والجهل أجمعه
عند من جهل وجهل جهله ، ومن عرف علم صورة الجهل ، فهو عالم عاقل ، وإنما
الجاهل من جهل صورة الجهل ، ومن طلب الحكمة من طريقها الذي جعله الله دركًا
لها وسبيلًا إلى معرفتها أدركها بعون الله تعالى .
وإنما فقدها الأكثرون لأحد وجهين: إما لجهلهم بوجودها وإن مطلوبًا هو
الحكمة مدرك ، ولزهدهم فيها فنكبوا عنها فلم يرهم اللَّه - جلَّ جلالُه - أهلًا ، ورفعهم عنها
عقوبة لهم ؛ لأجل إعراضهم عنها ، وربما طلبوها من غير طريقها فضلوها ، ولم
يدركوها من تلك الطريقة لم يطلبوها من طريق أخرى ، بل كذبوا بوجودها وأنكروا
أن تكون لها صورة خاصة ، فيحملهم جهلهم على أن يجهلوا .
ثم قد يكشف الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بصائر بعض عباده فيبصرونها في
غيابات الغيوب بما لا يراه الغافلون ، ومَن هؤلاء ؟ هم المتقون الذين يؤمنون
بالغيب ، [فيعبدون الله] جل ذكره رغبًا ورهبًا ؛ ذلك لما أدركوا ببواطنهم يخوب الآخرة
رأوا غيب الحق ، وشاهدوه علمًا ويقيا ، وهؤلاء هم الموقنون .
واعلم أن للغيب غيبًا كما أن للظاهر غيبًا وسرًّا وخبأ ، كذلك للغيب ، بل هو
أعرق وصفًا في الغيب ، وهذا القول منا على سبيل التقريب ، وبحكم ما هو مضاف
إلينا ، وإلا فهو علم واحد له أدنى وأعلى فافهم ، فلا تزهدن في الازدياد من العلم ،
ولا تقنعن بأوائله ، وطالب وثابر (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) .
(فصل)
قال الله جل من قائل: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) ويعلم السر في السماء ،