و (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
(فصل)
وأصل التقوى: من الوقاية ، وأقل التقوى: اتقاء الشرك الأكبر وما جرَّ إليه من
المعاصي ، وما جرَّ إليه أيضًا في أثناء الطاعات ، والتقوى باطن .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"التقوى هَاهُنَا"وأشار إلى صدره ، وربما جاء ذكره
مستوعبًا في أولى المواضع به إن شاء الله تعالى .
والتقوى عمل الإيمان ، كما أن الانتهاء عن المعاصي التي ركوبها نقيض
التقوى من علم الإسلام بواسطة التقوى ، وإذا صح التقوى من العبد فتح له باب
الهداية في باطنه ، فانشرح لذلك صدره ، وطلعت له شمس اليقين ، فانجلت بها في
حقه الظلمات ، وأضاء له باطنه وظاهره وما بين يديه وما خلفه .
واعلم - وفقنا اللَّه وإياكم - أنه كما لهذه الدنيا شمس يستضاء بها ويعلم بها
الليل والنهار وتتبين بها المبصرات من الأشخاص والأجرام وما يقدر تقديرها ،
فكذلك الباطن له من إيمانه ويقينه شمس يميز بها الصور الباطنة المعبر عنها
بالمعاني ، كالخير من الشر ، والذكر من الغيبة ، [والأعلى] من الأدنى ، ويرى بذلك
الراجح التام من الناقص ، والخبيث من الطيب ، وعلى درجات ذلك في معارفه
ودقائقه .
وإذا بلغت هذه الصفة هذه الدرجة فهي الحكمة (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) . أي:
الذين يتذكرون الحق الذي إليه المصير من الحق المخلوق به السَّمَاوَات والأرض .
ويومئذٍ يكون هذا الباطن سميعًا بصيرًا عاقلًا يعقل تلك من هذه ، وربما ثبتت
الحكمة في هذا العبد فذاق بالغيب ، وشم وأحس من مثل دبيب النمل رؤية وسماعًا
وحديثًا حتى أنه ليحس دبيب مكروه الخطوات قبل نزولها إلى لوح قلبه الذي عبر
عنه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في"