(عبرة) :
هذه فطرة الله - جلَّ جلالُه - في قلوب عباده ، يؤمن العبد ، ويتعلم العلم ، ويتفكر ويتذكر ،
ويبلغ من معرفة الله - جل ذكره - ومعرفة النبوة والرسالة وموجودات الدنيا
والآخرة ، ولو بلغ من ذلك أرفع الدرجات لم يستقر على الفطرة ، بل يجد في
ذاتها أنه كالملهم والمعلم بهداية الله - جلَّ جلالُه - وتوفيقه ، فيموت هذا العبد ، وما بلغ من
علم فطرته مبلغًا يقول: هذا منتهاه ، ثم النبي والرسول يجعل الله جل وعز في فطرته
زائدًا إلى فطرته في السماوات والأرض .
وفي المؤمن علم الفطرة بالإنباء والنبوة والحكمة ، ثم يرفعه إلى أرفع
درجاته ، ثم هو لو بقي عمر الدنيا ما بلغ من علم فطرة ما فطره الله على علمه
مبلغًا يقول ؛ هذا منتهاه إن ربك عليم حكيم ، بل على القول بالحقيقة في معنى قوله
جل قوله: (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) فإنه ما وصفه - عز وجل - بالغفلة
حال وجوده إنما وصفه بها قبل إيجاده إياه ألا تسمعه جل قوله يقول: (وَإِنْ كُنْتَ
مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ). كما قال: (وَمَا
كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44)
ولهذا نظائر .
(فصل)
"ما"في قوله: (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) ليست بزائدة كما زعم قوم ، بل هي اسم لما
أوحى إليه به ، هو الروح والملك - عليه السلام - والأمر أو ما يقوم مقام المسمى بالحق
المذكور في قوله: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) .