(فصل)
الوحي يلقى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يلقاه تامًا في حقه مفروغًا منه إذا كلم في الأمر رآه
مخاطبه كأنه قد تقدمت له المعرفة بأصول ذلك المسئول عنه ، وهو لا يعرف الوجه
الذي ترقى إليه به سوى أنه هكذا ألقي إليه ، فإذا سُئل عن اتصال ذلك المخبر
عنه وعن منبعثه من الحكمة عُلُوًّا وجدته ماهرًا به عالمًا له كأنه عنه كان منشؤه ،
وفيه مسقط رأسه ، وإذا سئل من ذلك الصادر منه ذكر أنه ملقى على لسانه وقلبه مع
يقين رفع موجود به .
وهذا الحق يأتيه في اليقظة وفي النوم ، وبين حال النومان واليقظان ، وربما سئل
في الأغلب عن شيء ابتداءً فيراه المتأمل له كأنه يتلقى الجواب من حاضر
غائب عن أبصار الحاضرين: وإن كان ذلك المسئول عنه لدينا له أسرع في
الجواب محكمًا ؛ إذ هو مما فطر عليه في حال النبوة ، وإن كان مما هو خارج
عنه تقصى الجواب من قريب منه عتيد ، فإن وجده على ما عهده أخبر به وإلا
صمت عنه لا يطلبه من نفسه ولا يقتضيه من ذاته بفكر ولا روية؛ لذلك - والله أعلم
-قال له أبوه عليهما السلام: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) فعطف بالواو ،
وأدخل كاف التشبيه عليها إشارة إلى ما استقر في قلب يوسف بما أعلم به في رؤياه
من جملة الإنذار الذي أصيب به وألقي إلى يعقوب ذلك مجملًا ، ولذلك حذره
ونفوس الأنبياء - عليهم السلام - مذللة للابتلاء وسبل إلى ما هي آيات عليه في
لقاء الله البر الرحيم أولياءه ، فهو أكرم مورود عليه وهو خير المنزلين .
وفي قوله: (حَفِيظٌ عَلِيمٌ) في هذا من الفقه أنه لا يجوز لأحد