والإلهام لمراسْده علمًا وعملًا ، وهو الرزق الأفضل على ما تقدم ذكره .
قال - جلَّ جلالُه -: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).
كما قالت مريم - عليها السلام:(هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ
يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم"فهو لا
يبهم عليه باب من أحد الرزقين إلا رزقه من حيث لا يحتسب ، ولا يعتاص عليه
معنى من الفهم ، ولا يسد عنه باب من العلم إلا جعل الله من أمره ذلك مخرجًا في
الأغلب من أحواله .
ومصداق هذا قول الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)
وأخبر - جلَّ جلالُه - أن ذلك من أمره أنزله إلينا ، وأعظم اليسر ما يفتحه الله - جلَّ جلالُه - على بواطن
المتقين . وينزله عليهم من فتوحاته وإلهامه .
ثم قال جل قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)
وإعظام الأجر للمتقين إعلاؤه إياهم إلى رفيع درجاتهم ، وإصلاح بواطنهم ، وفتح
مغاليق ما ارتج دونهم من مغارب غيوب المعرفة ، وهو نوع عظيم من القبول
الأعلى .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي: القبول كله أول
ذلك ، وأدناه أن يقول العبد:"لا إله إلا الله"مخلصًا من قلبه ، فيتقبل أعماله وتحبط
سيئاته ، ويدخل بها في الموازنة ، فكيف يرى قبول عمل من قالها عالمًا بها ، مشاهدا
لعلمها ، عازفًا بما شهد ، [مستشعرًا] التقوى بها ؛ فالتقوى علم وعمل وإيمان وإسلام ،
وإن لربكم نفحات فتعرضوا لها .
فمن الغيب الذي هو موجود إيمانهم ومشهود غيبهم ، فهو كثير جدا لا ينحصر
أبدًا ، بل لا يعلمه إلا عالم الغيب والشهادة - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، ليكون
العبد في غاية الافتقار إلى تحصيل ما لا بدَّ تحصيله من ذلك .