قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبه ورسله واليوم"
الآخر". وفي أخرى:"وبالبعث الآخر ، وأن تؤمن بالقدر كله خيره وشره وحلوه
ومره ، وكله من الإيمان بالغيب"."
ثم تفصيل ذلك بواسطة الاستدلال والنظر والتفكر والاعتبار وتحصيل
البراهين للإيمان بالله - جلَّ جلالُه - وكتبه ورسله وبأسمائه كلها وصفاته ما علمت منها وما لم
تعلم .
ثم مجاري ذلك كله في العالم ومسالكه في طرقات الحق المخلوق به
السماوات والأرض ، وهو مجال رحيب وفضاء فسيح لعتاق السابقين وميدان كريم
لأعلام المتقين ، وهو أصل لما تفرع عنه ، وأمر حق لما ورائه ، وإيمان علم له ولما
يأتي بعده ، وإمام حق لما يؤمه منه .
(فصل)
ثم درجات منها تترقى إليها إن سمت بك همة ، وهي ستة معالم احتوت على
معارف أحكام الملكوت التي أطلع الله - جلَّ جلالُه - عليها خصوص عباده وكلفهم تعلم
علمها ، وأن يعملوا أفكارهم ويصرفوا فطنهم فيها ، وأن يديموا اشتغاك هممهم
بالبحث عنها والتفكر في معالمها ، سابعها المطلوب الأكبر والمعتمد الأعظم ، هو
كل الكل مبديه ومعيده ، وأوله وآخره وظاهره وباطنه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه .
منها تكوينه - جلَّ جلالُه - الأشياء كله لا من شيء ، وإقراره الأشياء كلها لا على شيء ،
وإدخاله الواسع في الضيق ، ولم يوسع الضيق ولا ضيق الواسع ، وإيراده الصغير
على الكبير ، وإيراده الكبير على جزء من ذلك الصغير ، وحجابه الإنسان عن رؤية
موضعه ومشاهدته ، وإظهاره له عالمًا آخر في موضعه ذلك ، ولم ينقله عن موضعه
ذلك ، وتفتيته الجسد في التراب لأعين أهل الدنيا ، وهو مع ذلك صحيح تام عند
آخرين ، وتنويمه الجسد عن الأكل والشرب والنكاح في موضع وإيقاظه إياه يطعمه
ويسقيه في موضع آخر وعلى حالة أخرى ولم ينقله من موضعه ، فدونك -