وفقك الله تعالى وكان في عونك - هذه المعالم فابحث عنها واشغل نفسك بها .
وكل ما يرد عليك من غرائب العالم في هذا الكتاب فلن ينافي ما ذكرناه إن
شاء الله تعالى ، فعلمك قد سبق ب"إن الله جلَّ ثناؤه كان ولا شيء معه"مذكورًا
سواه ، ولا وجود لشيء معه في أوليته التي لا ابتداء لها ، أحدًا في أوليته ، صمدًا في
آخرته ، ولا آخرًا لم يزل ، ولا يزال على ما لم يزل ، ثم خلق المخلوقات ، وفطر
الأرضين والسماوات والعلو والسفلى ، خلق الدنيا والآخرة وأوجد الزمان والمكان
والمسكن وغير ذلك .
فهو خلق المخلوقات في لا مخلوق ، وأوجد الموجدات والمحدثات لا في
محدث ، ومعنى ذلك أنه خلق الزمان والمكان لا في مكان ولا في زمان ، والخليقة
كلها لا في خليقة ، بل أثبت - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه الأشياء كلها لا على شيء ،
فإذًا لا حدث للجملة غير مشيئته ، ولا حامل لها سوى قدرته ، ولا علة لمصنوعه
غير صنعته ؛ إذ لو توهمنا غير هذا لوجب حكم التسلسل أبدًا .
قوله للكائن:"كن"أي: على وفق مقدار مشيئتي فيك وإرادتي منك ، خطابه
لذات الشيء ب"كن"خطاب متوجه إلى ذاته وصورته ومادته وجميع توابع وجوده ،
ليكون الكائن على ما سبق في علمه وكما تقدم في تقديره له ومشيئته فيه .
كذلك ومن وصف المخلوق التغير والحيلولة والفقر والانتقال ووجود
الاضطرار إلى مدبره القائم به ، والاستسلام إلى عظمة موجده ، فإذا المعلوم ببداية
العقول أن جميع ما أوجده هو سواه وما هو سواه ، فهو عند له ، هو القائم به القيوم
عليه بما هو بقاؤه ودوام وجوده ، وأنه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه الآن كما لم يزل بما
لم يزل ، ولا يزال كذلك أمدًا وأبدًا إلى ما لا نهاية ، كما لم يزل من غير بداية .
وهو فيما خلقه بوجود عليٍّ لا يشبهه وجود ولا يماثله شيء ، لا يتصوره وهمٌ
ولا يكيفه عقل وهو فيها بأسمائه وصفاته لا يغيب عنه شيء ، وهو الشهيد القريب ،
لا يعجزه شيء ولا يبعد عليه ؛ يشهد المخلوقات أجمعها بما هو خالق ،
والمرزوقات بما هو رازق ، والمدبر بما هو مدبر ، والمتحرك والمحرك والمتحرك