فيه ، وكذلك الساكن والمسكن فيه .
يشهد - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه الضلال من الضال بما أضله ، والهداية من
المهتدي بما هداه ، والوحدة من المخلوق بما وحده ، والكبير بما كبره ، وكل موجود
بما هو موجود من جميع معاني الوجود كلها ، يشهدها شهود حضور ومشاهدة
نزيهة ، لا شهادة علم فقط ؛ إذ أحكام الحدوث وتوابع أحكام الخلقة لا تجوز عليه ،
ولا يصل إليه - جلَّ جلالُه - عن ذلك كله علوا كبيرًا .
آية ذلك الشمس والقمر هما في علو محلهما ، والضياء والنور منبسط عنهما
على الأرض وهواء الجو والخليقة ، فما انبسط عن كل واحدٍ منهما من ضياء أو
نور ، والله أعلى وأجل(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ).
هو الكبير المتعال ، لا يواري عنه شيء ولا يكِنّ عنه شيء ، كما قال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم -:"لا يواري منك ليل داجٍ ، ولا سماء ذات أبراج ، ولا أرض ذات مهاد ، ولا بحر"
لجي ، ولا ظلمات بعضها فوق بعض" (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19) ."
علم في أوليته التي لا ابتداء لها الكون كله من أوله إلى آخره بتوابع وجوده
كلها ، بعلم هو صفته ، وقدرة ومشيئة هما وصفه ، ثم بعد ذلك أوجده على سواء ما
قدره ، شاء ما قدره ، واقتدر على ما أوجده ، وأحاط بذلك كله إحاطة ناهية كاملة ،
ولو شاء أن ينشأ أكثر مما شاءه لشاء ، كما لو شاء أن يقتدر على أكثر مما اقتدر عليه
لاقتدر لا إلى نهاية ، عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .
لا يعلم أْحد سواه كنه قدرته ، ولا سعة علمه ، ولا إحاطة مشيئته ، وهي مفاتح
الغيب على الحقيقة ، بها أظهر ما أظهر ، وأوجد ما أوجد ، وأْضرب عما لم يشأ
إظهاره وإيجاده ، لم تحجبه الخليقة عن أنفسها ، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرا ، فلم
يمتنع عنها ولا من أجلها أن يوجد فيها بما هو حيث شاء ، كيف يجوز عليه حكم
ملكه أو يمنعه عناد عبده ، تعالى عن ذلك القوي العزيز .