فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 2809

حقيقة وجوده لا في حيث ولا في كيف ولا متى ولا أين ، إذ أحكام الخليقة

وتوابع الوجود لا تناله ، ولا ينبغي لها الوصول إليه بوجه ، بل هو الذي [حجبها] عنه

بها وبما شاء من أحكام مشيئته ونعوت تعاليه وشموخ عظمته ، له المثل الأعلى في

السماوات والأرض وفيما علا ، هو العزيز الذي امتنع عما لا يجوز عليه ويستحيل

لديه ، الحكيم الذي أحكم الموجودات شاهدة له دالة عليه ، قانتة عابدة له ، معترفة

بالقصور عن وجوده العلي على لزوم وجود الآية إياها .

وكما"كلتا يدي ربي يمين مباركة"وهو على ذلك النزيه القدوس عما

أوجده في الخليقة ، كذلك وجوده العلي ، وهو في كل مكان بحيث لا مكان ، ومع

كل شيء لا صحبة ولا حلول ، فإذا تمهد هذا واستنار جدا فهو إذًا قرب إلى كل

شيء من نافس ذلك الشيء إليه ؛ أعني: إلى نفس ذلك الشيء ، بل أقرب بقرب لا

يضاده بُعد ، فعلى هذا إذًا ليس في الوجود سواه مما عداه ، فأعراض عارضة وأفياء

زأئلة تتعاقب بمقدار إيجاده إياها وإعدامه لها إمساكًا وتدبيرًا ، تثبت تارة وتستحيل

أخرى ، والحامل لها والممسك لها قدرته [ومشيئته] .

(فصل)

آية إيجاده جميع الموجودات بعد عدمها ، وإيراده إياها على قدم أبده إيجاده

النوم ، ثم إيراده على يقظة اليقظان ، وإيجاده اليقظة ثم إيراده إياها على نوم النومان

فيقبض النوم في حال اليقظة ، ويقبض اليقظة في حال النوم ، لكن النائم واليقظان

مختلف عليهما الأحوال في حالتي اليقظة والنوم ، وهو - جلَّ جلالُه - لا تختلف على أبد قدمه

الأحوال .

ومن آيات ذلك أيضًا: (اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ)

والنهار يكشط عنه الليل فإذا هم مبصرون ، والليل في حال النهار ، والنهار في حال

الليل في حكمه واختزانه .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للتنوخي يوم بلغ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب هرقل ، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت