فافهم ، لذلك قال جلَّ قوله وهو أعلم: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وقال جل
قوله في غير هذا الموضع وذكر موجودات الدنيا ، فقال:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ
فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا . . . ).
ومن زينة الدنيا: التقديم على الأقران ، والجاه على الملوك ، والمضاء في
الأمر ، فما عند الله من ذلك خير وأبقى ، وما عند الله من موجودات الآخرة خير
وأبقى ، أفلا يعقلون ؟ .
أما قوله جلَّ قوله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) إثر هذا الإعلام فتقريع للعقول ، كيف لم
يقف على هذا بالعلم ؟ لِمَ لم تتبينه باليقين ؛ ألم تعلم أن هذا الأمر بدأ
صغيرًا ثم هو ذا ينشأ من صغر إلى كبر هذا معلوم عند ذوي الألباب
معهود في قفايا العقول ، ومن هنا قال قائلهم يصف بعضهم:
قد استقام على المنهاج يسلكه . . . ولم يزغ حائدًا عنه ولا عدلا
فجسمه يعمر الدنيا بظاهره . . . وقلبه في أعالي الملك قد نزلا
وأبصر الأمر يجري في مسالكه من . . . أول الشيء حتى تم واكتملا
وقاطعته البرايا وهي صامتة . . . وميز الضد والأزواج والعللا
آتاه ذو العرش والإفضال حكمته . . . حين الأشد إلى أن وافق الأجلا
فخصه بحياة لا انقطاع لها . . . والموت في طبقات الناس قد شملا
فأظهر السيرة العليا بصورتها . . . ومن قبل كانت ألبست ظللا