على الكذب منك بصدقي إياك في جميع ما أنبأتك فإنه كائن ، وإن الخالق
عليه قادر ، فصدق هذا المولود ما أنبأْه به وأعلمه .
ثم لما بلغ هذا المولود الأشد الأول جاءه ذلك المنبئ له فقال: إنك يا
هذا لو إنك خرجت من هذه الدار التي كنت وصفتها لك ببعض صفاتها
لوصلت إلى دار أخرى أوسع من هذه جدًّا ، وأرحب نسبة ما بين هذه التي أنت
فيها وبين التي هي بين يديك كنسبة ما بين الوعاء الذي كنت فيه نطفة ، فأخبرتك
بأنك تنقل فيما هنالك إلى طبقات خلقتك ، ثم تخرج منه إلى هَاهُنَا وكل ما تراه هاهنا
أو تسمعه أو تعقله من موجودات فهي هناك أفضل جدّا نسبة ما بينها لنسبة
ما بين الدارين ، بل أكبر وأحسن جدًا وأبقى وأنقى ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر
ليس هذا هو البيان المبين والنور المنير والنبأ العظيم والقول الصدوق الحليم ،
وإن منكره يستحق أن يوصف بالعدم وبالحيرة وعدم الميز ، أوباللجاج والجحد
للحقيقة .
وقد قال المنشئ الحق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه:(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ
رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)فأين تقع نسبة الأرض
من السماوات ؟ .
وقال - عز وجل -: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46) . قال جل قوله في
موضع آخر:(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ).