كنت قبل هذا تخبرني فأتردد فيما تخبرني به ، ثم أغلب التمكن على ما هو
عندي مستحيل ، فأما الآن فأقصر عني ، فإن للذي مني في أبعد البعد ، ولنا
لديك في أشد الإنكار ، فمن سبيل المخبر له أن يقول له: - جلَّ جلالُه - وجدت خبري
لك من إخباري تقلبك في درجات تقلبك أصدقتك فيما أنشأتك به أم
كذبتك ؟ فلا بد من نعم ، فيقول له: ألم تر أن الأولى كانت أقرب إلى تصورك
إياها وقولك لها من الثانية ، ثُمَّ الثانية أقرب من الثالثة ، والثالثة أقرب إلى الثانية
منها إلى الرابعة ، وإن الرابعة أقرب إلى الثالثة منها إلى الخامسة ؛ قال له: بلى ،
قال له: بلى .
قال له: فمال ميزك تميز وعقلك قد عقل ، واشتدت أركانك جرت
عن النهوض قدمًا في معرفة حقيقتك وما يؤول إليه شأنك ، اعتمد في هذه
على صدقي الذي جربته وما يؤول إليه ، ونصحي الذي قد خبرته ، فإن الذي أوجدك
نطفة لا من شيء مذكور نقلك في طبقات خلقتك نقلة بعد نقلة هو
القادر على ما مضى لك وما بين يديك ، فقدِّم الإيمان وغلِّب العقل واستغن