فهرس الكتاب

الصفحة 1362 من 2809

السماء ، فكما أنزل الله المطر من السماء بالملائكة كذلك أرسل الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بإرسال

جبريل إليه بالوحي ، فكما أن الأرض الميتة إذا منع الله المطر عنها ، ثم إذا أمطرت

صارت حية بإذن الله ، فكذلك أهل الأرض أموات في الديانة حال فقدان الرسل

إليهم ، وإذا أرسلوا إليهم صاروا أحياء لا يصلون إلى نفعها إلا بالغيث ، وكذلك لا

يصلون إلى نفع أنفسهم في الديانة والتقرب إلى ربهم إلا بالرسل .

وأما قوله جلَّ قوله: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي: بقدر سعتها ، شبه جل ذكره

الماء بالنبي ، يعني: ما ينتفع به [وبمواعظه] كل الناس بقدر همتهم والنظر إلى دلائله ،

وكما أن الماء يزيد في الوادي في السعة كذلك نفع النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأما قوله تعالى: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) معناه: إن السيل ظاهره زبد غير

نافع ، وباطنه ماء نافع ، كذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهره صورة الإنسان ، وذلك غير دال على

صدقه ونبوته ، وكما أن الماء الصافي تحت الزبد وإن كان ظاهره غير ماء لذلك

احتجاجه ، ودلائله أدل شيء على صدقه وإن كانت صورته الظاهرة لا تدل ، وإنما

ضرب الله هذا المثل ، ليعلم أن ظاهر صورة الرسل لا تدل على صدقهم .

وقوله تعالى: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ . . .) شبه الجواهر بالنبي ، وشبه

الأحجار بالخلق ، ومعناه: إن الأنبياء بين الخلق كالجواهر بين الأحجار ، فكما أن

الذهب والفضة كامنان في الأحجار والخبث والنخالة حائلان بينهما وبين طالبهما ؛

لأن ظاهرها غير ذهب وفضة كذلك دلائل النبي باطنة في أحواله ، وصورته حائلة

بينها وبين طالبها ، فإذا أدخلت الجواهر في النار استخرج الذهب والفضة عنها ،

كذلك إذا اعتبر بدلائله عرف بها صدقه ونبوته .

وكما أن الناظر الجاهل بالجواهر إذا اعتبر بظاهرها لم يشترها بثمنها كذلك

النَّاظر الجاهل بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتبر بصورته وجدها لا تدل على حقيقة نبوته

فيمتنع من تصديقه والإقرار بما جاء به ، (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) الاعتبار

بصورة النبي وبظاهره ، والاعتبار بباطنه وأحواله ودلائله ، وكما أن الماء بانَ نفعه في

الأرض كذلك دلائل محمد - صلى الله عليه وسلم - نافعة لمن اعتبر بها ؛ لأنها توجب صدقه واتباعه

(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) .

وأما مثل العلم في هذه الآية: فإن الله جل ذكره شبه المطر النازل من السماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت