والأخبار .
فأما الزبد فيذهب جفاءً ، يعني والله أعلم: إن طلب الأحاديث والأقاصيص
يترك ويتطلب أحكامها ، لأن نفعها أعم وأكثر ، وكما أن الماء وزبده ذاهب كذلك
علم الدلائل والمعرفة باقٍ ، وطلب الأقاصيص ذاهب ، كذلك يضرب الله الأمثال
للذين استجابوا لربهم ، يعني: فيما ندبهم إليه من طلب العلوم والدلائل والدين
والذين لم يستجيبوا له فيما دعاهم إليه .
(فصل)
هو بيان وتذكير من ربنا عز جلاله ، وموعظة بسر كتابه العزيز للمذكرين ،
وضرب الأمثال للمعتبرين ، وقسم الله الحق المطلوب فيما بينهم(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)وهو الكتاب الحكيم ، قد جعله منزله العظيم
متشابهًا مثاني ، فيُثني بعضُه بعضًا تلاوة ومعنًى ، وهي معانيه وآياته معنى .
يقول عز من قائل: (المر) فجمع بها ما يفرق ، وأحكم فيها ما فصل ، فقال
جل ذكره ؛ (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) ثم ثنى جل ذكره(وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)أي: بأنه من عند رب العالمين
أحكامه وتفصيله وتوصيله .
ثم جعل جل ذكره يسرد موجودات الكتاب المبين بقوله:(الَّذِي رَفَعَ
السَّمَاوَاتِ. . . )يقول جل ذكره: لعلكم إذا رأيتم انقضاء الآجال وتمام
الآماد ليلا ونهارا وغير ذلك ، وتشاهدون طلوع الشمس والقمر والنجوم توقنون
لذلك بانقراض الأعمار ويوم الدنيا وبلقاء ربكم ، ترونه كما ترون الشمس صحوًا
والقمر في كماله .
ثم أخذ جل ذكره يصف أنعمه وقدرته ومشيئته وعلمه في مقدوراته ، يقول جل
قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) إلى قوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فيعلمون
الآخرة من الدنيا ، وموجودات ما هنالك استدلالًا بموجودات ما هَاهُنَا ، ويعرفون
ربهم يوم يرونه يحكم الغيب في مقدوراته بأسمائه وصفاته وآلائه وأفعاله وأحكامه
وآثاره ، فيوحدونه بالإلهية ويفردونه بالمثل الأعلى .