ثم استمر جل ذكره على ذلك بقوله: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ . . .) فنص
بصدق قيله وله الحيلة على أنه يفعل دقيق المفعولات كما يفعل كبيرها وجليلها من
مذاقات وألوان وطعوم وروائح وأشكال ، إلى غير ذلك من منافع ذلك كله ومضاره ،
وعلى تصاريف ذلك وتنويعه ، ثم قال جل ذكره: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
موجودات الآخرة من هذه والتوحيد .
قال: (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21) .
(وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(32) . ولا تتفكرون .
( فَهم لَا يؤمِنُونَ ) إلى قوله:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ
عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)نظم هذا بما تقدم ذكره من التعجيب من كفرهم ،
وعماهم عن رؤية الآيات البينات في النور المبين ، أولم ينظروا إلى مثلاته ووقائعه
فيمن كذب الرسل وصد عن السبيل ؟! ولبيان ذلك أضرب عن ذكرها اعتمادًا على
التذكير قبل هذا في قوله: (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ) .
ثم قال جلَّ قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ) كما قال جل وعز:(فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلَاغُ).
ثم ثنى المعنى وأرجع القول إلى ما ذكره في صدر السورة ، فقال جلَّ قوله:
(اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ) إلى قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) . فاتصل المعنى
بالمعنى الذي تقدم .
وثنى القول على القول ، ثم أخذ في الاحتجاج عليهم بما ألزم ذكره من الحق
المتضمن وقدرهم على المتفق على صحته في عرفان القلوب ، فانتظم بالمعنى الذي
تقدم فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ( قلِ الله ) وهو قولهم كما قال جل وتعالى:
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
ثم وقفهم على تناقضهم بقوله: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ . . . ) .
ثم صرف وجه الخطاب إلى سواهم من أهل ملك الكفر ، فكان يخاطب
بواسطة نبيه العرب الذين يتخدون الأصنام والتماثيل آلهة يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا