وقوله: ( قُل هُوَ رَبِّي ) بعد ذكر اسمه الرحمن عز جلاله قد تقدم أنه
القرآن العظيم ، ومتى حل هذا الذكر العظيم قلبًا وغلب عليه فقليل له أن تُسير له
الجبال أو تقطع له الأرض ، وبما كان معنى تقطع له الأرض: تطوى له الأرض ، أو
[يكون] على ظاهره كل على الله يسير ، أو يكلم به الموتى ، فكذلك قال عز من
قائل: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا . . . ) إلى آخر
السورة ، فأشار جل ذكره إلى الثلاث الآيات إلى آخر السورة .
وقد جاء من طريق يقطع بصحته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صعد أُحُدًا هو وأبو بكر
وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"اسكن فإنما عليك نبي"
وصديق وشهيدان"."
وجاء أن إبراهيم بن أدهم كان قاعدًا على جبل من الجبال مع بعض أصحابه
فكلمهم في مثل هذا المعنى وقال: إن من عباد الله من لو قال للجبل:"تحرك"
لخرك له ، فرجف الجبل ، فقال له:"اسكن ، فإنما هو شيء ذكرت به أصحابي"
فسكن .
وقد سخرت الجبال لدأود يسبحن بالعشي والإشراق ، وقد اكتنفت قصة
إبراهيم بن أدهم شواهد القرآن ، فأقل درجتها أن تكون في حيز الإمكان .
أتبع ذلك قوله جلَّ قوله: (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) بل للإضراب ، وذلك في
المقدر المخزول من الخطاب تقديره: لكان هذا القرآن أو ما نحا نحو هذا وكان في
معناه ، وقيل: إن تقدير المحذوف:"ما آمنوا به"ويؤيد هذا التأويل قوله - جلَّ جلالُه -:(وَلَوْ
أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا
لِيُؤْمِنُوا)فأضرب جل ذكره بحرف"بل"عن المعنى الذي تضمنه
حرف"لو"، وهو امتناع وجود تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى به ما لم
يشأ الله ذلك ؛ وبقي وجوب وجود ذلك كله مع وجود المشيئة من الله جل ذكره .
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله:(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى
النَّاسَ جَمِيعًا)قيل: هو بمعنَى العلم ، يأيس ؛ يعلم .