لقيوميته ، خاشعة لعظيم سلطانه وعليِّ شأنه ، فقيرة إلى ما لديه ، ليس لها من ذواتها
غنى ، ولا عنه غنى إلى ذلك اختصاصه المختصين من أوليائه وإنباؤه الأنبياء من
صفوته ، وإرساله الرسل من ملائكته وعباده ، وإنزاله الكتب ، وإيجاده وحيه على
مراتبه ، وكيف شاءه بمشيئته إلى من شاء من عباده .
يتبع ذلك الأمر والنهي والوعد والوعيد والنذارة والبشارة ، وصدق الكلمات
وإتمامها على سبيل سننه التي لا تبديل لها ولا تحويل ، وإظهاره المعجزات عن
القدرة العالية [....] العلي ، وإلى وجوده الحق الذي إليه المصير في دار البرزخ
ويوم النشور ، ثم في دار القرار ، ثم مرورهم على وفق كلمته .
يتبع ذلك إيجاد النعماء وظهور الآلاء [....] الإنباء عن ذلك والإخبار عنه
في الأرض وفي السماء ، ومرور أيامه بالنقمات والمثلات في أعدائه والنصر
لأوليائه ، وحسن العقبى في الدارين لأوليائه ، إلى غير ذلك من إظهار مقدوراته
ومضاء مشيئاته على وفق ما سبق من ذلك في علمه السابق ، وتقديره الأول الأزلي
-جلَّ جلالُه -: قل لهم يا محمد سموهم ، والخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - خطاب لمن بعده من علماء
أمته .
يقول جلَّ قوله: هل خلقوا السماوات والأرض وما بينهما وهم الخالقون ؟ هل
بأيديهم خزائن السماوات والأرض يقسمونها في المدن ؟ وهل هم الرازقون ؟ هل
يحيون أم يميتون فهم المحيون المميتون ؟ هل بأيديهم يملكون كل شيء فهم
المالكون ؟ هكذا إلى آخر الأسماء والأفعال ، والتدبير على التقدير الأول: فلا بد لهم
من قول لا يجاوبهم على ذلك ، أيشركون مع الله - جلَّ جلالُه - في ملكه [وملكوته] وسلطانه ما
لا يخلق ولا يرزق ولا يملك وهم يخلقون ويملكون ؟(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).
ثم قال عز من قائل: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ) ما لا
يعلمه الله - جلَّ جلالُه - فليس بكائن ، ولا يجوز كونه على حال إذًا لا بد من ذلك .