وقال - صلى الله عليه وسلم - في مجالس الذكر"إذا رأيتم رياض الجنة ، فارتعوا فيها . . ."ونحو
هذا كثير .
وألحق بهذا قوله - صلى الله عليه وسلم -:"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".
و"منبري على ترعة من ترع الجنة".
و"قوائم منبري على حوضي".
وإنه إنما رأى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما آتاه الله من ضياء النبوة وبصيرة القرب
من الله والحياة الآخرة ، ولما أهله الله - جلَّ جلالُه - من الرسالة إلى عباده بشارة لعباده ونذارة
إعلام لهم بأن الآخرة إليَّ ، والتبليغ عنه إليهم بحقائق حق الآخرة بشارة لعباده ،
ونذارة إعلام لهم بأن الآخرة محيطة بالدنيا ، مستورة عنا ، فمن أطلعه الله - جلَّ جلالُه - على
مرائي الآخرة فبلغ عنه كيف يجوز المبلغ إليه أن تناول قوله الذي هو وحي يوحى
على غير المعنى الذي به جاء ، ولا يرى ذلك من ليس نبي إلا إيمانًا وتصديقًا ويقينًا ،
وبروح من عند الله وبتأييد منه ، كما لا يرى الكافر ما يراه المؤمن ولا الجاهل ما
يراه العالم من حقائق ما يجب الإيمان به للموت الذي به - أعني: الكافر -
وبصفاته قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) .
وقال الله - جلَّ جلالُه -(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)فإذا أحيا الله - جلَّ جلالُه - المؤمن بالإيمان
أحياه الله من موت الكفر بروح الإيمان ، كما قال عزّ قوله: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)
ولكل درجة من هذه الحياة مقام ، ولكل مقام حال ذلك على قدر
الحظ الذي يؤتيه الله من ذلك الإحياء الذي به يحييه من موت الكفر .