فمنها حال من عبر عنها قوله - جلَّ جلالُه -:"إني لا أطلع على قلب عبدي فأجد الغالب"
عليه ذكري إلا كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به . . ."."
هناك يبصر بالنور ويتكلم به ، ويسمع به ويتحرك ويسكن به ، كما كان
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ، وأرفع منها مقتضى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم اجعل في قلبى نورًا وفي"
سمعي نورًا . . ."إلى قوله:"اللهم املأني نورًا ، اللهم أعظم لي نورًا ، واجعلني
نورًا ) هناك يبصر بكله ويسمع بكله ويفهم بكله .
ومن هذه الحال كان - صلى الله عليه وسلم - يسمع كلام الجوامد وعذاب المعذب في القبر ،
ويقول - صلى الله عليه وسلم -:"أترون قبلتي هَاهُنَا ، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم ، إني"
لأراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي"."
ومن الصديقين من يمنحه الله من هذا الحال ما شاء ، وإن لم يبلغه مبلغ النبوة
بمشافهة الملك - عليه السلام - ( فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) .
وفي حق هؤلاء تتحقق حقيقة قوله:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ)فأضاف ذلك
إلى رؤية المخاطب ، وقدره على ما أراه من ذلك ، وإنما المخاطب بخاصة هذا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإخوانه من أمته الذين تشوق إلى رؤيتهم ، وأولوا الألباب من
أتباعهم ، نسأل الله البر الرحيم أن يلحقنا بهم ، وألا يقصر بنا دونهم ، وأقل الرؤية
فيما هذا سبيله رؤية أبصار الرؤوس .
قال الله - جلَّ جلالُه - يعني الكفار والمنافقين:(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ
وَيَقْبِضْنَ)فلم يضف إليهم إلا رؤية الطيران من الطير حسب ، ثم تولى الإخبار
لموضع الإيمان بقوله: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) .
وكذلك قوله: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ