وَالْأَرْضِ) لم يصفهم من الرؤية إلا بالمقدار الذي تبلغه البهائم ، ثم تولى - صلى الله عليه وسلم -
الإخبار عن موضع خشية الإيمان بقوله: (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ
عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) . إذ لا يرى غيب
ذلك سواهم كقوله: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) .
وأولوا الألباب شاهدها جميعهم حال الصبغة في الماء والهواء ، وفي موجود
السماء والأرض وما بين ذلك ، ولما أوجدتم في هذه الحياة ذكرهم برسله وكتبه ،
فهم إن تذكروا أبصروا فعلموا ، وإن تغافلوا ذهب الذكر عنهم صفحًا وحرموا بصر
البصائر ، وصموا عن سماع شهادة البينات .
هذا الفصل مبدل ، وقد تقدمت في صدر الكتاب مقدمة يعرف بها هذا الفن من
العلم ، فارجع إليها وتدبر ، وإياك والتكذيب بآيات الله فتكون من الخاسرين .
قال الله عز من قائل: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا
بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) . فالصبر على طاعة الله والعزم على الثبات في
الأمر ، ولزوم اليقين يرفع الإمامة في علوم الموقنين ومعارف الصديقين .
وقال الله - جلَّ جلالُه - ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) .
ومن ذلك مفهوم قوله - جلَّ جلالُه -: (رَبِّ العَالَمِين) جمع عالم ، فإذا
تصور الجميع صورة واحدة فهو العبد الكلي الذي هو جملة المخلوقات المشتملة
على كل ما دخل تحت الكون والحدوث ، وعنه حكم الحدوث من مكان أو زمان
أو جهة أو ناحية وقرب وبعد وروح وجسم أو وجود وعدم وقبل الروح والأجسام
إلي ، والخلق كله والأمر ، وما تقدر تقدير ذلك [وما تبعه] أو كان منه فهو إذًا إنسان
كلي كما الإنسان عالم جزئي ، فهو من حيث له يمين وشمال ووراء وقدام وأعلى
وأسفل صوَّر آدم على صورته - صلوات الله وسلامه عليه - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إِنً اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صورة الرحمن".