النبات والغذاء ، وفعلنا نحن كسب لنا وخلق له ، فأعلم بذلك أنه يستعملنا ويستخرج
بأفعالنا أعاجيبه كما يستخرج بأفعاله ، وذلك منه إشعارًا لنا أن كلًا منه وبه وله ،
ودليله (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96) .
(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) .
وسبيل العزة من هذا أنه قد خلق الجنة والنار خلقًا ، واستعمل العاملين بما
يبلغ إلى منال موجوداتها على ما سبق في تقديره ، فهو يستخرج بأعمالهم ثوابًا
وعقابًا أعجب من موجودات ما هنالك .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن أحدكم ليغدو إلى المسجد للصلاة ويروح فيهيئ الله له"
بذلك نزلًا في الجنة كلما غدا أو راح"."
(فصل)
في هذه الثلاث الآيات سبيل من الاعتبار سوى ما تقدم .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) الثلاث آيات إلى قوله:
(يَتَفَكَّرُونَ(69) .
وقال الله - جلَّ جلالُه - في غير هذه السورة:(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ
مَاءٍ)إلى قوله: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فجعل - جلَّ جلالُه - الأنعام في
هذه الدار لقلتها وصغرها آية على إظهار اللبن فيما هنالك ، لعظم تلك الدار وسعتها
وفخامة شأنها ، وكذلك فعل من ثمرات النخيل والأعناب آية بما يعالج وبما
يستخرج منها من الانتباذ ، والعصر من الخمر آية على أنهار الخمر فيما هنالك ،
كذلك جعل ما يحتوشه النحل من أزهار النبات وتأكله من الثمرات آية على أنهار
العسل فيما هنالك .
(وعبرة أخري) :
انظر إلى ما بين الأنهار من الماء واللبن والخمر والعسل فيما هنالك ، وإلى
ضعف منبعثها فيما هَاهُنَا فاقضِ بفضل ما بين خمر وخمر ولبن ولبن وعسل