الصدور ، يسمع بها الصم ، ويهدي بها العمي ، ويشفي ببركتها المرضى ، ويطلق بها
الزمنى ، ويصير بها الأعداء أولياء ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)
هذا إخبار يعلم موجود ما هنا بموجودات ما هنالك من أرزاق ونعم وأنعام ومنافع
ومساكن وغير ذلك .
وقد قيض أقوامًا سلكوا بعض هذا السبيل ، واقتفوا طرفًا من هذا الدليل ،
فتعرفوا معاني بعض الموجودات في الهواء والمياه وأكثر المائعات ، والأرض
وبعض الجمادات والحيوان والنبات ، وإن كانوا لم يبلغوا المطلوب الأكبر ، ولم
يصلوا إلى المبتغى الأعظم ، لم يسعدوا بالصعود إلى السماوات العلا ، ولا عرجوا
إلى [سِدْرَةِ] الْمُنْتَهَى ، ولا ظهروا إلى المستوى ، فيسمعون فيما هنالك صريف
الأقلام ، ويلهمون فصل الخطاب ، لكن وصلوا بعون اللَّه جل ذكره إلى حمل من
علم الأدوية والأدواء ، فوجدوا المعاني الموجودة في هذه المكونات على جري
العوائد قسموها طبائع لما وجدوها موزونة بقسط معلوم على مقدار من له من
المحضور فيها معلوم ، فيعرفها الأهواء والبلدان وساكنيها وأحوالهم .
قسموا معمور الأرض وماهيتها إلى أقاليم سبعة على قدر مقادير الشمس
والقمر والكواكب والمنازل ، فاستقامت لهم على ذلك إلى ما قرب من مقاصدهم
سبل واضحة أوائلها مسلوكة لائحة ، وأعاليها مظنونة غائبة ، لا قطع لهم بحقيقتها
ولا تبيان على خفاياها [....] قطعت بهم الكلمة ورجمها غالب مضمونها التوكل ،
فانخرق لذلك عندهم الإجماع ، ولم يقوَ قوة هذه في صدق ضمانها ، وتحقق وجود
مطلوبها [....] .
(فصل)
في هذه الثلاث آيات علم غير ما تقدم ، وهو أنه قال في الأولى:(وَاللَّهُ أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ)المعنى إلى آخره ، وهو فعله في السماء
والأرض ، وقال في الآية الثانية ما هو فعله في الأنعام ، وفي الثالثة ما هو فعل لنا في