فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 2809

وملك وجان ، وحساب وثواب وعقاب ، وتوابع ذلك وما نحا نحوه .

وكذلك أمر باعتبار الملكوت من الأرضين والسماوات والأفلاك والنجوم

والنبات ، وما علا وما سفل ، وكل ما ظهر وبطن ليستدل بما رآه على ما لا يراه ،

وليتعرف بذلك صفات الصانع - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ؛ إذ بظاهر العالم يستدل

على باطنه ، وبالمصنوع الكلي يعرف صانعه ، فالعبد المؤمن يشهد بعقله لله - جلَّ جلالُه - دون

واسطة سوى الدليل عليه بالربوبية .

وصفة الوحدانية كالعلم الكلي الذي لا يعلم سوى الله خالقه ، ولا يشاهد سوى

مدبره ومبدعه وتعالى علاؤه وشأنه فطرة من حكيم عليم (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ

الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) .

اعتبار الجملة والنظر في ذلك والعبارة عنه على سبيل الإجمال ، سبيل القصد

في ذلك إن شاء الله تعالى أن يتوهمه صورة إنسان قائم يصلي مستسلمًا لخالقه

خاشعًا لصانعه ، قانتًا خائفًا من بارئه ، وجِلًا من رقيبه جلَّ ذكره وتعالى علاؤه وشأنه

وجده ، له من حيث هو معاني الحدث كله قد احتوله الأمر وأحاط به الحول ، أو ما

يعبر عنه مما ليس به متوجهًا بكل وجهته إلى ما احتوله صوَّره بارئه - جلَّ جلالُه - وتعالى

علاؤه وشأنه أحسن تصوير ، ورتب أعضاءه أحسن ترتيب على صورة شخص واحد

مركب من أعضاء مختلفة هي عوالمه ، متعاونة على مطلوب واحد .

وغرض شواهد عبادته ربه له منها أعضاؤه كلها جوارحه وجوانحه مشكلة من

ذلك أشكاله وصورته خلقه خالقه العليم القدير على ذلك ، فأعلى منه ما ليس من

الحكمة إلا أن يعلو وأسفل منه ما ليس من الحكمة إلا أن يسفل ، ورتبه على ترتب

ليس من الحكمة إلا أن يكون على ذلك الترتيب أوجده بكلمته ، وشاءه بمشيئته

وقدره بتقديره وكتبه القلم في اللوح المحفوظ بأمره ، قدم منه في الإيجاد ما شاء

تقديمه ، وأخر منه ما شاء تأخيره ، وأجراه على سنته قانتًا لربه بكليته ، مصليًا لفاطره

بجملته ، ساجدًا له بحقيقته جملة وتفصيلًا ، مسبحًا ذاكرًا له بألسن عدد الخلائق

كلهم ، بل عدد ذواته وأبعاض ذواته ، كصلاة العبد الجزئي سواء لا [يشذ] منه عضو ،

ولا يتخلف عند جزء إلا هو قائم معه ، ساجد معه ، موجهًا إليه ، عابدًا ربه معه .

ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"خُلق ابن آدم على ثلاثمائة وستين مفصلًا ، فعلى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت