وملك وجان ، وحساب وثواب وعقاب ، وتوابع ذلك وما نحا نحوه .
وكذلك أمر باعتبار الملكوت من الأرضين والسماوات والأفلاك والنجوم
والنبات ، وما علا وما سفل ، وكل ما ظهر وبطن ليستدل بما رآه على ما لا يراه ،
وليتعرف بذلك صفات الصانع - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ؛ إذ بظاهر العالم يستدل
على باطنه ، وبالمصنوع الكلي يعرف صانعه ، فالعبد المؤمن يشهد بعقله لله - جلَّ جلالُه - دون
واسطة سوى الدليل عليه بالربوبية .
وصفة الوحدانية كالعلم الكلي الذي لا يعلم سوى الله خالقه ، ولا يشاهد سوى
مدبره ومبدعه وتعالى علاؤه وشأنه فطرة من حكيم عليم (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) .
اعتبار الجملة والنظر في ذلك والعبارة عنه على سبيل الإجمال ، سبيل القصد
في ذلك إن شاء الله تعالى أن يتوهمه صورة إنسان قائم يصلي مستسلمًا لخالقه
خاشعًا لصانعه ، قانتًا خائفًا من بارئه ، وجِلًا من رقيبه جلَّ ذكره وتعالى علاؤه وشأنه
وجده ، له من حيث هو معاني الحدث كله قد احتوله الأمر وأحاط به الحول ، أو ما
يعبر عنه مما ليس به متوجهًا بكل وجهته إلى ما احتوله صوَّره بارئه - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاؤه وشأنه أحسن تصوير ، ورتب أعضاءه أحسن ترتيب على صورة شخص واحد
مركب من أعضاء مختلفة هي عوالمه ، متعاونة على مطلوب واحد .
وغرض شواهد عبادته ربه له منها أعضاؤه كلها جوارحه وجوانحه مشكلة من
ذلك أشكاله وصورته خلقه خالقه العليم القدير على ذلك ، فأعلى منه ما ليس من
الحكمة إلا أن يعلو وأسفل منه ما ليس من الحكمة إلا أن يسفل ، ورتبه على ترتب
ليس من الحكمة إلا أن يكون على ذلك الترتيب أوجده بكلمته ، وشاءه بمشيئته
وقدره بتقديره وكتبه القلم في اللوح المحفوظ بأمره ، قدم منه في الإيجاد ما شاء
تقديمه ، وأخر منه ما شاء تأخيره ، وأجراه على سنته قانتًا لربه بكليته ، مصليًا لفاطره
بجملته ، ساجدًا له بحقيقته جملة وتفصيلًا ، مسبحًا ذاكرًا له بألسن عدد الخلائق
كلهم ، بل عدد ذواته وأبعاض ذواته ، كصلاة العبد الجزئي سواء لا [يشذ] منه عضو ،
ولا يتخلف عند جزء إلا هو قائم معه ، ساجد معه ، موجهًا إليه ، عابدًا ربه معه .
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"خُلق ابن آدم على ثلاثمائة وستين مفصلًا ، فعلى"