فهرس الكتاب

الصفحة 1537 من 2809

وقد كان من قريش إعظام لهذا الشأن وتكذيب ، ويقول قائلهم: إن ما بيننا

وبين بيت المقدس مسيرة ثلاثين يومًا ، ويقول محمد: إنه قطعها من ليلته مارًّا

ومقبلًا ، وأتم ليلته في مضجعه ، ولو كان إخباره إياهم بذلك على سبيل قصص

الرؤيا لم يكن منهم ذلك ، وقد قيل: إن كثيرًا منهم رجع عن رأيه في الإسلام يومئذٍ .

ولو كانت رؤيا منام لم يكن ذلك كذلك ؛ إذ قد يرى غيره ممن ليس في منزلته

أنه يذهب به في الرؤيا مسيرة الشهر وأكثر ، ويصعد به إلى السماء ونحو هذا ،

وحمل اللفظ على ظاهره أولى ؛ إذ هو الإسراء لا غير ، وأمور النبوة خارجة عن

معهود العوائد ، والإسراء في النبوة أصل لها ، وهو معنى قول الملائكة والأنبياء

في السماوات حين كان جبريل - عليه السَّلام - يستفتح له سماءً سماءً كلهم يقولون:"وقد"

بعث إليه ؛ فيقول: قد بعث إليه ، فيقولون: مرحبًا به ، ولنعم المجيء جاء"."

فهذا إخبار منهم عن سُنة مسلوكة بهم معشر الأنبياء والرسل ، وإعلام بتفاضل

مجيئهم ختم الله - جلَّ جلالُه - الآية باسمين ، ينبئ بذلك من فقه عنه أنه الإسراء ظاهر ، الله

أعلم بكيفيته وبما هو ، ثم رسله - عليهم السلام - فإن ذلك مما ينشأ .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)

فإن الذي أنشأه من كونه نطفة مهينة ، وجمع خلقته من أمشاج أثاره

لفتح والفيحين في طبقات الخلقة في خزائن السماوات والأرض إلى أن جعله

سميعًا بصيرًا ، قادرًا على أن ينشئه نشأً آخر إلى ما ذكرناه ؛ إنما هو النوم وغايته التي

يصير إليها الموت ، وفي الموت الحياة ، وينشأ ذلك منها إلى الرؤيا ، والرؤيا تنشأ إلى

الإسراء ، كما الحياة حياتان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت