ومثال السنة: ما أخرج الله عليه الوجود كله من ترتيب واستنن به سننه من
تأجيل وتعجيل ، وهو المعبر عنه بقوله - جلَّ جلالُه -: ( فَيَكون ) .
ومثال الإجماع في الشرع: هو إجماع المرجودات وصفاتها قاطبة على شهادة
الفطرة لبارئها - جلَّ جلالُه - وتعالى بالتنزيه والتقديس والتسبيح لله وحده لا شريك له ،
والشهادة بالتوحيد والقنوت له .
ووجدوا أيضًا أن السنة مأخوذة من ثلاثة أوجه: أقوال ، وأفعال ، وإقرار .
فوزان الأقوال: الكلمة والأذن .
ووزان الأفعال: جملة المعقولات والمصنوعات ، وما تناوله الكون .
ووزان الإقرار: كل ما كان لله - جلَّ جلالُه - إيجادًا وخلقًا ، وما ليس له برضا ، وهي
المعاصي والكفر ، وتوابع ذلك مما لا يرضاه ولا يحبه ولا يأمر به شرعًا ، ويلحق به
كل ما لم يرد له ذكر في الشرع ، وهو ما عناه بقوله عز من قائل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . . . )إلى قوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ
حَلِيمٌ (101) .
واستقرأ المعتبرون الموجودات وما أنبنت عليه وتركبت عنه ، فوجدوها ثلاثة
أشياء: جوهرًا ؛ وجسمًا ، وعرضًا محمولًا في الجواهر والأجسام .
كذلك وجد أهل الاستقراء للكلام أنه تركب عن ثلاثة أشياء: اسم ، وفعل ،
وحرف محمول في الأسماء والأفعال ، وقيل له: قرآن ؛ لأنه مجموع كلام وقصص
وأحكام وجدل ، والكلام معبِّر عن ذلك كله .
ومن ذلك: إن الله جلَّ ذكره أجرى المسببات على أسبابها ، وأموره في هذه
الدار على سننه فيها ، وأظهر المصنوعات بالأدوات على الأغلب هذا مقدوره
الحاضر المشاهد منا وله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه مقدور سوى هذا ، وهو أن يجعل
مكان السنة الكلمة فيظهر المسببات بغير أسباب ، والمصنوعات بغير أدوات خرقًا
لهذه العوائد ، وتجري الأمور كلها على مشيئته في كلمته وهو المقدور الغائب عنا
اليوم ، إلا ما قد شاءه من ذلك وقدره .
كذلك جعل من كلمه العزيز في القرآن ما هو ظاهر مبين ومنه ما هو غيب
يحتاج متفهمه إلى البحث والنظر ، ومنه كالمكنون يخص بعلمه من شاء من عباده ،