للمنافقين مثلين:
الأول منهما: مثل لليهود ، شبههم - جلَّ جلالُه - بمن استوقد نارًا ؛ يعني: ما كانوا فيه من
الهداية ولما بلغت ؛ أي: أضاءت ما حوله مستوقدها ؛ أي: إن هدايتهم تمت بإتيان
محمد - صلى الله عليه وسلم - كذبوه فذهب الله بنورهم لذلك (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) .
ويصلح أن يكون مثلًا للمنافقين لما جاءهم الرسول والكتاب شهدوا بذلك
فوجب لهم بذلك أن يكون لهم نور ، ولما نافقوا في ذلك (ذَهَبَ الله بِنورِهم) ذلك
لرجوعهم على أعقابهم (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18) . هذا إعلام
متردد بين الفريقين إياس من هدايتهم ، فهذا لليهود ثم بآخره للمنافقين .
ثم ضرب - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه مثلًا آخر ظاهر مفهومه للمنافقين ، ثم
بآخره لليهود إلي قوله: (قدير) .
(فصل)
أشبه القرآن العالم ، والعالم القرآن أن العالم اشتمل على ما يقال له: نور
وهدى وضلال وبيان وشفاء وضياء وخير وشر ، وهلاك وإكرام وإهانة وولاية وبراءة
وحب وبغض وأمر ونهي ، وبشارة ونذارة وحرام وحلال وواجب وفرض ومندوب
إليه ، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده مما إن بُحث عليه في أثناء الكتاب العزيز وجد
فيه ، غير أن الشر لأهله هناك مذكور ، وعندهم فعله مذخور لهم جزاؤه ، وهو في
العالم موجود أو شبهه أيضًا فيما حكاه أهل الكلام على الأحوال الأصول الشرعية
ووجده في ذلك حقيقة .
قالوا: دلائل الشرع موجودة فيه على ثلاثة أوجه:
-أصل .
-ومعقول أصل .
-واستصحاب حال .
فالأصل: هو الكتاب والسنة والإجماع ، فوزان الكتاب في العالم الكلمة وهو
المعبر عنه ب (كن) .