تلك الذوات في خزائن السماوات والأرض بتوابعه أجمع ، ثم الخلقة لعمارة هذه
الدار اليوم بذلك المكتوب ، ثم الموت بما فيه ، ثم الإحياء الآخر للجزاء .
يقول الله - جلَّ جلالُه - لهم: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي
صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)
فهذه هي الفطرة الأولى بعد الموتة الأولى التي قال فيها أهل النار في النار:
(رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) الإماتة الأولى من ذلك الإحياء الأول ،
والإماتة الثانية من هذه الحياة اليوم .
قال الله - عزَّ من قائل - فيما نحن بسبيل تبيانه:(أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ
الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)فأخبر أنهم قد رأوا ذلك ، فهو إحياؤهم الأول ثم
يعيده الآن .
ثم قال - عزَّ من قائل: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) فأحالهم في تعرف هذه البداءة
على التسيار في الأرض ؛ ليروا كيف بداية الخلق (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ)
هي تلك آخرة ؛ إذ هذه نشأة أولى ، فقد علم من له أدنى تمييز وأيسر حظ من عقل
أنه مبتدئ لا محالة ، وأن مبتدأه قد تقدم في شأنه كله قبل إبدائه ، ثم أوجده بعد
إعدامه بعدما سوى به الهواء والسماء والأرض والفتح والفيح ، فأوجده على سواء ما
تقدم فيه قبل ، وسبق به علمه .
أتراه - عفا الله عنا وعنك - وقد فطره أولًا ، ثم أوجده بعد على علم به
ومشيئته له ، وقدرته محيطة به بعجزه في النشأة الآخرة ، وإن سوى به الأرض
والهواء والوجود ، وهو يقول مجيبًا لهم عن قولهم: (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ(2) أَإِذَا مِتْنَا
وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)