الوجود ، فلما دعاهم إلى الكون ، وهو إخراجهم إلى هذه الدار أسرعوا إليه
بالإجابة .
ثُمَّ هو يميتهم على صورهم وقدورهم وأجسامهم وشأنهم كله ، فعلى الحالة
التي يتوفاهم عليها يجيبهم ، غير أنهم مجمع لهم بين بدايتهم في تمام الخلقة وبديع
الفطرة ، ونهايتهم في كمال أبدانهم المقدرة لهم ، وتوابع أعمالهم وأرزاقهم وآثارهم ،
وأن رؤيته إياهم في غيابات الغيب ، وإحاطه بهم علما وقدرة ومشيئة ، وتخصيصًا
لكل ذات منهم بما خصَّه به لأعرق في البعد عن التمييز بين أشكالهم
وصورهم ، وأجزائهم في أتربة الأرض ، ومفترق أهوية الأجزاء ، ومائعات المياه ،
وأبعاض غاذيات النبات والجمادات والحيوانات .
وقد أصار ذلك كله إلى نقص الخلقة ، وذمَّه في الكتاب بعد الكتاب الأول ،
وإنما هو العدم الأول مع وجودهم في الوجود العلي ؛ حيث لم يكونوا موجودين
لأنفسهم ، بل موجودين له في علمه المحيط وقدرته القاهرة ، ومشيئته الغالبة
بصفاتهم وأسمائهم وأنسابهم ، وأسماء آبائهم وأمهاتهم ، وبلدانهم وأرزاقهم
وأعمالهم ، وآثارهم وآجالهم على اختلاف أحوالهم في نموهم واضمحلالهم ،
وتدرجهم في طبقات نشؤهم ووجودهم وجميع توابع وجودهم .
أحاط بذلك كله قدرةً وعلمًا ومشيئةً في أزل الأزل لا إلى أول ، ثم كتبهم
على ذلك في اللوح المحفوظ ، إذ قال للقلم:"اكتب ما هو كائن في الوجود"فكتبه
كذلك ، ويوم قضى القضية وأخذ المواثيق والإقرار والشهادة ، ثم بث موجود