حَلَالًا طَيِّبًا ) وبهذا يظهر ضعف هذا المذهب وعدم صحة الاعتماد
عليه في تحديد المكي والمدني ، وعلى أنقاض هذا الرأي وذاك يقوم بنيان المذهب
الصحيح وهاك هو .
المذهب الثالث:
وهو اعتبار الزمان الذي تنزلت في خلاله آيات القرآن وسوره ، وعلى أساسه ،
فإن الضابط الذي يحدد المكي والمدني هو:
المكي: ما نزل من القرآن قبل الهجرة النبوية إلى المدينة .
والمدني: ما نزل من القرآن بعد هذه الهجرة .
نقل الحافظ السيوطي عن عثمان بن سعد الرازي أنه أخرج بسنده إلى
يحيى بن سلام قال: ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم -
المدينة فهو من المكي ، وما نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو
من المدني . قال السيوطي: وهذا أثر لطيف يؤخذ منه: أن ما نزل في سفر الهجرة
مكي اصطلاحًا .
وهكذا فقد راعى أصحاب هذا المذهب عنصر الزمان ، واعتبروا الهجرة
المباركة هي الفاصل بين هذين النوعين: المكي والمدني ، وترجح هذا المذهب عند
العلماء بما أنه جامع مانع حاصر لكل الآيات القرآنية ، فإننا لا نجد آية من القرآن إلا
وهي نازلة إما قبل الهجرة وإما بعدها ، وبناء عليه فقد اعتبر العلماء بعض الآيات
القرآنية مدنية وإن كانت نازلة في مكة أو جوارها ، مثل قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا )فإنها مدنية بهذا الاعتبار وإن كانت نازلة
في جوف مكة عند الكعبة ، غير أن ذلك كان بعد الهجرة يوم فتح مكة في العام
الثامن من الهجرة ، وكذلك قول الله:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )نزلت بعرفة يوم حجة الوداع في
العام العاشر من الهجرة ، وأرض عرفة أقرب إلى مكة منها إلى المدينة ، ومع ذلك
فهذه آية مدنية حسب زمان نزولها ، ومن أمثال ذلك أيضًا صدر سورة الأنفال حيث
نزلت ببدر ، وكذلك ما نزل بأسفاره - صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا كله يتقرر أن المذهب الراجح عند أهل العلم في تقسيم القرآن إلى
مكي ومدني هو النظر إلى زمان نزول الآية ، فيعرف المكي بأنه هو ما نزل قبل