وفي المدينة ضواحيها كالمنزل ببدر واحد وسَلْع .
المذهب الثانى:
كان إلى اعتبار نوع المخاطب بالقرآن ، فقال أصحاب هذا الرأي: المكي هو ما
كان خطابا لأهل مكة . والمدني هو ما كان خطابا لأهل المدينة .
وألحق بعض العلماء بذلك قول من قال: إن ما صُدِّر بلفظ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ )
فهو مكي ، وما صُدِّر فيه بلفظ ( يا أيّهَا الَّذِينَ آمَنوا ) فهو مدني .
وعللوا لذلك بقولهم: لأن الكفر كان غالبا على أهل مكة فخوطبوا بـ( يَا أَيُّهَا
النَّاسُ )وإن كان غيرهم داخلا فيهم ، ولأن الإيمان كان غالبا على أهل المدينة
فخوطبوا ب ( يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنوا ) وإن كان غيرهم داخلا فيهم أيضًا ، كما ألحق
بعضهم صيغة ( يَا بَنِي آدَمَ ) بصيغة ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) وأخرجه أبو عبيد في فضائل
القرآن عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) أو( يَا بَنِي
آدَمَ )فإنه مكي ، وما كان ( يَا أَيّهَا الذين آمَنوا ) فإنه مدني .
وقال الحافظ السيوطي: وحمل على هذا قول ابن مسعود أخرجه البخاري:
"والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ، وأين نزلت"
وهذا الحمل غير وجيه فيما يبدو لي ؛ لأن الآيات والسور لم تزل كلها في أعيان
الأشخاص ، وما نزل في عين شخص فليس كاد له خطابًا ، والله أعلم .
ومع هذا فإن هذا التقسيم هو الآخر لم يحظ بالقبول ، ولم يسلم من الاستدراك
عليه لأنه كسابقه غير ضابط ولا حاصر ، حيث إن من القرآن ما نزل غير مخاطب
لأهل مكة ولا لأهل المدينة كما في قول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ( 28 ) .
ومثل ذلك الآيات الكثيرة التي لم تصَدَّر أصلا بأي نداء أو بعبارة
أخرى: الآيات التي لا تحتمل الخطاب لفظًا ولا معنى ، مثل قوله:( إِنَّ اللَّهَ لَا
يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا )وضعّف هذا القول ابن
الحصّار فقال: اتفق الناس على أن سورة النساء مدنية وأولها ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) وعلى
أن سورة الحج مكية وفيها ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )
وقال غيره: هذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر ، فإن سورة البقرة مدنية وفيها
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ