الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)"فهذه دلالة على أنه -"
تبارك وتعالى - لم يكلف المؤمنين تعذيب النفوس في مطلق العبودية إلا على
معنى التأديب لها والقصاص منها لها ، فإنه لا بأس بذلك .
قال الله - جلَّ جلالُه -: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) لهذا
الخطاب وجه إلى الأمر بالقصاص في المظالم بين العباد في الأنفس والدماء
والجراح والأموال ونحو هذا ، ووجه إلى المقاصاة من الأنفس ، وهو تصحيح
التوبة بجعل مكان الضحك بكاء ، ومكان الترف من العيش شظفًا وصيامًا وعطشًا ،
ومكان النوم سهرًا ، ومكان السهر على المعاصي سهرًا على الطاعات ، إلى غير ذلك
من التأديب .
دلَّ على صحة هذا التأويل قوله: (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
وعلى الحقيقة فليست تسخو نفوس على القصاص منها لها إلا نفوس
أولي الألباب والتقوى الوافرة ، والخطاب راجع إلى الفريقين ، وإن كان أظهر في
الفريق المحمود .
-فأمَّا أهل الاستقامة فهم العقول فيهم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) .
-وأمَّا المكذبون فهم المقول فيهم: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ (147) .
-وأمَّا أصحاب الإهمال والإصرار ، والركون إلى أماني الغرور ، فقد قال فيهم:
(أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(172) .
وعلى القول بالتحقيق فإن من سبقت له من الله جل ذكره -
الحسنى له يغفر له ويتجاوز عن سيئاتها أصحاب الإشفاق