الصراط المستقيم ، فلئن كانت دلالة المفعول على فاعله نورًا أن ضد ذلك [الظلام] ،
وقد حصلت ضرورة العلم بأنه المتوحد بإيجاد كل ما دخل تحت الكون قاطبة
كتوحد بواحد منها (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) .
ولئن كانت الأسامي بما هي معرفة بالمسمى ، والأسماء معربة عن صفات
المسمى الموصوف ، والمسمى بالأسماء الموصوف بالصفات هو المطلوب
الأعلى ، الله رب العالمين ، فما عدا ذلك فهو جهل والجهل ظلام ، وقد تقدم الكلام
في دلالة الفعل على الأسماء ، وإعلام الأسماء بالصفات ، وتعريف الصفات
بالموصوف في غير هذا الموضع ، مبينًا على حسب الطاقة ، وكما هو خالق الخلق لا
خالق سواه ، ورب الأرباب لا رب غيره ، وإله كل شيء لا إله إلا هو ، فكذلك هو
النور الأعلى وهو نور النور ونور الأنوار إذًا بما أنارت النيرات جمعاء بنوره ،
وأضاءت الأضواء كلها عُلُوًّا وسفلًا بضياء وجوده العلي .
وهو الهادي إلى الصراط المستقيم الذي ما عداه فهو الضلال ، وهو جاعل
الهداية هداية ، وهو هادي المهتدين ، وهو الذي(لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ
نَاصِرِينَ)فليس إلا هو وجودًا ونورًا ، هو الأول بذلك في كل
الموجودات والآخر فيها ، والظاهر والباطن ، القيوم على كل شيء نوره العلي ، ممد
لكل نور ، ومنه منبعث كل نور طبقًا عن طبق من لدن العرش العظيم إلى المنتهى
علؤً وسفلًا (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ
يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) يعبر من المثل إلى
الممثل به .
-والمثل هو: المشكاة ، وهي عبارة عن المفعول كله جملة ، فكما المفعول
كذلك المشار إليه بالمشكاة هو موضع المصباح ، وهو النور المنبعث عن المصباح .
-والممثل به هو النور الأول العلي الذي كك نور فعنه مقتبسه ، هم درجات
عند الله .
والممثل به فيما هنالك بالزجاجة هو الأفق المبين ، والممثل بالزيت من
الشجرة الزيتونة فيما هنالك هو الحق ، المخلوق به السماوات والأرض ، أصلها