ثم جعل يخبر عن نوره بما نوره ، فذكر المشكاة والمصباح والزجاجة
والبيوت ، وقد تقدم أنه من الأمثال المضروبة قبلها مصداقا لما جاء في بعض الكتب
التي يذكر أنها من الكتب المنزلة على من كان قبلنا أن الله هو الحي القيوم ، ملأت
العالم عزته ، ووسع السماوات والأرض كرسيه ، وأحاط بجميع ذلك عرشه ، الذي
خدامه آلاف آلاف الآلاف ؛ ولا يحصى من خدامه ولا من جيوشه إلا ما شاء
جنوده ، نيران تلتهب وأودية اللهيب جارية قدامه ، وكل مرغوب من أسمائه جازع
من هيبته وحذره ، المختفي عن الأبصار الغمام ستره ، والظلام سرادقه والضياء بين
يديه والنور أمامه .
وفي مفهوم قوله - جلَّ جلالُه -: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تحقيق
التوحد بنور كل الموجودات ، قال الله تعالى:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ)أي: بالحق خلقهما وما بينهما ، وكذلك كل ما علا وسما وما
سفل إلى المنتهى ، كل ذلك بالحق خلقه وللحق أوجده .
ثم قال - جل من قائل: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وليس في
الوجود كله إلا ظلمة أو نور أو ممتزج منهما وهو هما ، فكل الموجودات فلا تخلو
ما يقال فيه منها أنه نور أن يكون ظاهرًا كالنيرات وما أنارته ، أو الوجود الذي
هو ضد العدم ، فإنه لا أثقب نورًا من الوجود ولا أظلم ظلامًا من العدم والفقد ، أو
باطنًا في الوجود كالآيات والبينات والشواهد على ما جعلها عليه شواهد ،
ومسالك مقتضيات أسمائه وصفاته من جملة العالم وأنواع الهدايات وما هو