فهرس الكتاب

الصفحة 1907 من 2809

عدل بنا الكلام فلنرجع إلى ما كنا فيه ، قال الله سبحانه:(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى

الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)وقال:(لَا يَعْزُبُ عَنْهُ

مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ)

سبحانه وله الحمد استوى على العرش ، وهو الحي الدائم القيوم الرحمن ، فحييت

الحملة باستوائه ، وقامت بقوميته وتواصلت وتواشجت ، وتعاطفت برحمانيته علوا

وسفلًا وظاهرًا وباطنًا ، فهو لذلك أقرب إلى الموجود من نفسه وروحه وذاته ،

وأقرب من القرب ، ذلك لمضاء صفاته وعظمة شأنه بحكم الاستواء الذي هو فعله

وأمره على ذلك يظهر أمره وتدبيره وحكمه وخلقه على سنن سنته ، إلى ما سوى

هذا من مقتضيات أسمائه وصفاته .

هذا بحكم التنزل المعبر عنه بالاستواء ، آية ذلك تسويته الأجسام بأرواحها

وحياتها وصفات ذواتها ، وبذلك يحيا المحل ويعلم ويقدر ، ويحسن ويعقل ويدرك

ما يصيب محله ذلك من لذة وألم ، وقد كان ذلك المحل قبل استواء الروح عليه

الذي هو العبد بضد ذلك .

والله - جلَّ جلالُه - أعلى صفات وأجلى وصفا لم يزل عالمًا لما قبل الاستواء وبعده ،

لكن بالاستواء قرب إلينا تحقيق ذلك بالعلم والمشاهدة منا لأنفسنا ، قال الله - جل

ذكره: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) وقال: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)

وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) .

فجعل استواء الروح في الجسم وحياة الجسم به وعلمه ما يصيب جسمه آية

على ذلك بقوله:(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا

يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)وقال:(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ

وَالْأَرْضِ).

(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27)

من تحقق في علم هذه الجملة وعلم ما أشير إليه فيها على القدر المقسوم منه

للبشري الضعيف وصل إلى اليقين بذلك ، ويسر له ما عسر على سواه (وَاللَّهُ يَقُولُ

الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت