بل أضرب عن ذلك منهم وقال: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) في يوسف(فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ)على ما أصاب به وابتلي (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)
لعلمه أن ذلك منهم في وجوب الوجود مثل لما آل إليه ، وكان سجنه - عليه السَّلام - مثلا
لاختفاء المسلمين يومئذٍ ؛ أعني: يوم الدجال وطمس نور الإسلام ؛ ولذلك قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي".
تأول في ذلك تقصير مدة الغلبة وتعجيل خروج الحق وظهور الحق ، وتأول
يوسف - عليه السلام - بما ألهمه ربه - عز وجل - تنزيه محل النبوة وأخذ التنزيه لطهارة الرسالة ، وكان
تعجيله القميص إلى يعقوب - عليه السَّلام - ووجد أن يعقوب - عليه السلام - ريحه مثلًا لصوت الصريخ
سحرًا لنزول المبارك ، عبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"وتسمعون صائحًا في السَّحر:"
قد جاءكم الصريخ ، يقولون: هذا صوت شبعان ، ثم ينزل عند الفجر صلوات الله
وسلامه عليه"ويذكر أن هذا يكون من تعرف بعضهم ببعض وإرساله في جملتهم"
ودفع القميص إليهم حين اشتداد الأمر على يعقوب - عليه السلام - .
عبر عن ذلك قوله الله - جل ذكره ، والله أعلم بما ينزل - لما وصف غيبة
يوسف على الوجه الذي قصه ، ثم غيبة أخيه بنيامين ، ثم احتباس كبيرهم ؛ من أجل
ذلك عظم لذلك كربه واشتد أسفه (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ
وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) . وكان قول يوسف - عليه السلام - لفتيته:
(اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ (62) . في تأويل الحق المغروز في الجبلة ، كان ذلك من
حكمة الله - جل ذكره - ليرجعوا إليها في ضروراتهم ، تنبيهًا منه لهم لعلهم عند
خلوهم بذلك المعنى المجعول فيهم إليه يرجعون .
وما في أثناء قصص السورة من شيء عسر لهم إلا له في المستقبل وجود ،
يتبين ذلك بالكلية عند معاينة الأمر ، ويناظر الدليل مع المدلول عليه ، وكان يجمع
الشمل المعبر عنه بقوله: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ