قال الشاعر:
وأوحى إلي الله أن قد تؤامروا ... على غدر فقمت على رجل
ثم يتسع وجود الوحي ويصعد إلى مشافهة الملك من أراده الله بذلك من
عباده ، ووحيه إلى أم موسى - عليها السلام - إمَّا أن يكون إلهامًا وإما مشافهة ،
وإعلامًا بأي وجه كان يدل على رفعة ذلك الوحي ، وعده إياها بغائب لم تعلمه ولم
يكن لها ذلك لولاه ، وهو قوله: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) .
وكان قد حذر فرعون وأتباعه من بني إسرائيل أن يولد فيهم من يكون هلاكه
وهلاك من تبعه على يديه ، سرى إليهم ذلك على لسان نبوءة كانت قديمًا فيهم أو
في غيرهم ، وذكر أن كاهنًا لهم كان أخبرهم بذلك ، والأول أصح والله أعلم بما
ينزل - ولما قرب ذلك وظهرت أشراطه أخذ يقتل ذكور المولودين من بني
إسرائيل ، ويستحيى نساءهم ، ويستعبد نساءهم ورجالهم ، يستسخرهم ليشغلهم عن
التحدث بذلك والتمني به وليقل عددهم ، فيكونوا مقهورين وهم لا يشعرون
(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) .
والعجب من حرمة إن من المحدث عنده صادقًا ، فما الذي كان يجدي عليه
فعله ذلك من قتلهم وأشغالهم عنه وإن كان كاذبًا ، فما الفائدة في قتل ذكورهم
واستحياء إناثهم إلا لعبث وإمضاء الأمر الفَسْل ، ولزوم سبيل الفساد في الأرض
الذي حلاه العالم به ، وليكون ذلك آية على ما وراءه ، ودام ذلك البلاء بهم من قتل
المولد إلى أن تمكن حب موسى - عليه السَّلام - من قلب امرأة فرعون بالتبني ، وسرى ذلك
منها إلى فرعون فرفه عن بني إسرائيل بعض ذلك ، وقطع عنهم الذبح وخففت
السخرة أو بعضها إلى زمن الرسالة .
يقول الله - جل ذكره: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ
قَاهِرُونَ (127) . فضرب عليهم حكمه الفاسد ، وشكوا ذلك إلى موسى
وقالوا له: (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ
عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) .