مفارقة العودة في غير تلك النفس ، وخوفه من ذلك ، وخروجه ولحاقه بمدين ،
وإنكاحه هناك ، ومكثه فيها راعيًا على صالح تلك الأرض ، ذكر أنه شعيب النبي - عليه السلام -
فلم يخله - جل ذكره - حال رضاعه وتربيته وفتوته من صلاح ومصبح يذكره ،
ولطف منه به إليه يسدده إلى أن وافاه بالنبوة واصطنعه للرسالة والولاية الكبرى .
عبر عن ذلك كله بقوله الحق: (جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى(40) وَاصْطَنَعْتُكَ
لِنَفْسِي (41) . ثم اخذ يذكر رسالته وتبليغه عن ربه ، ونحمل الإصر في
مرضات ربه ، وصبره على التبليغ وانتظار الفرج ، إلى أن آتاه الله - سبحانه وله
الحمد - نصره ، فأغرق فرعون كما نجاه قبل من الغم ؛ خشية فرعون وملائه ، كما
فرج الكرب عن قومه من السحرة والذبح والذلة ، وتلك كلمة الله - جلَّ جلالُه - في بني
إسرائيل وموسى - صلوات الله عليه وسلامه .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا
مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) . والكلمة المعنية .
قوله - عزَّ من قائل: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ
وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) . وقد تقدم مع تكرار قصصه
من الكلام ما فيه إيماء إلى الاعتبار وبطريق إلى الإذكار ، وأن ذلك كله لآية منبئة
عما هو كائن ، فالله المستعان .
(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ