فهرس الكتاب

الصفحة 2052 من 2809

جل ذكره - مثل الآلة بيد الصانع .

ألا ترى أنه لا يقال: الشفرة حذب البغل ، ولا السوط ضرب العبد ، ولا القلم

كتب الكتاب ، وإنما يقال: الحذّ أَحذى البغل ، وفلان كتب الكتاب ، وإن كانت اليد

والشفرة المباشرة للمفعول ، كذلك الخليقة يباشرون الأسباب في ظاهر العيان ، والله

من ورائهم محيط ، هو الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة .

(فصل)

ذكر تعالى الأسباب ؛ لأن الأسماء متعلقة بها ، والأحكام عائدة على الأسماء

بالثواب والعقاب ، وقد تيقن الموكل أن ما هو له فهو إليه واصل ، وأن رزقه عنه غير

فائت لا محالة ، لا يكون لغيره أبدًا ، وكذلك ما يكون لغيره لا يكون له أبدًا ، فقد

نظر إلى حظه من ذلك بعين يقينه الذي تولاه وكيله العزيز الرحيم من أحد ثلاث

مشاهدات:

-ينظر العبد إلى قسمه من العطاء وجميع ما يصيبه أو يفوته ، فهو إذًا شاهد

الصحيفة المثبتة له ، عند تصوير خلقته رأى أن قد كتب فيها له رزقه وأجله وأثره

وشقي أو سعيد .

-فإن ارتفعت مشاهدته نظر إلى اللوح المحفوظ ، وأنه لا يزداد فيه ولا ينقص

بحول ولا قوة ، كذلك حظه من الآخرة من جنة أو نار لا بد له من مثال حظه من

ذلك ، وإن عمل أي عمل بعد أن يكون قد كتب في اللوح المحفوظ هو قوله للقلم:

"اكتب ما هو كائن".

-ثم إن علت مشاهدته إلى العلي الأعلى لعلو المرتبة ونفاذ العلم وقوة اليقين

وضياء النور في باطنه ، إذ مشاهدة كل عبد عن مقامه من معبوده ، ومن مكانه في

دنوه أو علوه ، وقوله - جل ذكره:"اكتب علمي في خلقي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت