فهرس الكتاب

الصفحة 2122 من 2809

قال الله - عز وجل -:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ

الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)أي: شهدوا له بأنه الحق من ربهم(كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ

بَالَهُمْ)فهذا هو الميسر لعبادة اللَّه - جل ذكره - كما قد سخر السماوات

والأرض وما بينهما لعبادته ومنافع عباده ، وزاد العبد أن جعل له عمله نافلة له عيشًا

في الدنيا ونزلًا وذخرًا في الآخرة ، فهذا الفرق ما بين التسخير والتيسير .

وبالجملة: فحقيقة الأمانة هي أن العبد كما تقدم خلقه خالقه من تراب ، ثم من

نطفة إلى أقصى درجات خلقته ، وخلقه أيضًا مع ذلك مما عبر عنه قوله الكريم:

(وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) وما عبر عنه قوله:"إني لأطلع على قلب"

عبد فأجد الغالب عليه ذكري إلا كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به

ويده التي يبطش بها ورِجله التى يمشي بها"وكما قال:"ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ

[تَعُدْنِي] وعريت فلم تكسني وكنت غريبًا فلم تؤوني وجيعانًا فلم تطعمني [1] "."

فصورة الأمانة بين هاتين الخلقتين أن يلتزم العبودية التي هو أهلها ، ويتبرأ من

الربوبية التي أخذ عليها الميثاق ربه ، فعلى قدر تحققه في ذلك والتزامه التواضع

وآلاءه ذبه ورفعه وأعلى قدره ، ولذلك أخذ عليه الميثاق في البدء الأول في

قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) فإذا هو لم ينازعه شاكلة

الربوبية وألزم نفسه شاكلة العبودية فقد أدى الأمانة ، وعلى قدر تعلقه في تحقيق

ذلك يكون تحقيق الولاية فيه له ، والله المستعان ، فافهم فهمنا الله وإياك عنه .

[1] أخرجه مسلم (2569) ، وابن حبان (269) بلفظ:"إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت