فهرس الكتاب

الصفحة 2121 من 2809

فلأنفسها تجازى على الإحسان بالإحسان ، وإن عملت في ذلك سيئًا فعلى أنفسها

تجازى على الإساءة بالإساءة ، فنظرت أولًا إلى العقاب فأشفقت منه وتبرأت من

الحول والقوة ، وأبت من تحملها على ذلك ، فاستعملها ربها - جل ذكره - بالشهادة له

والعمل بالتسبيح والتقديس والذكر والقنوت والعبادة له ، ومباني الإسلام كلها وشعبه

أجمعها ، واستسخرها في ذلك كله لعباده تؤدي شهادتها لربها عندهم ، وتنفق ما

أتاها الله عليهم كل في مقامه وعلى مرتبته(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي

الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا

فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)إلى غير ذلك من

الشواهد .

ولما أن خلق الله الإنسان أنفس في وجهه نفس الحياة فصار حيًا بنفس حية ،

وأظهر له القدرة والعلم والإرادة والحياة ، وأظهر فيه كثيرًا من الأسماء والصفات ، ثم

سواه بأن ركب فيه العقل هو خليفة الله في الإنسان ، فتمت به الصفات واستوت ، فظهر

تعاطيه واستكباره وإباؤه وعجبه وأضداد ذلك ، فعرض عليه الأمانة وكلفه بحملها

على ألا ضمان بعصمة ولا بمعونة فتحملها لزعامته ، ونظر إلى الثواب إن صدق ووفى

قبل نظره إلى العقاب إن كذب وأخلف ، ولتمام خلقته واستوائه وجد فيه الاختيار ،

فقابله موجده بالاختيار كما قابل زعامته بالامتحان ، ثم الإنسان في درجته من الخلقة

لم يكمل بعد ، بل هو كما وصفه العالم به من قول الحق (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)

ظلومًا لنفسه ولسواه ، جهولًا بنفسه وبربه - جل ذكره .

ثم لما أدخل الله على الإنسان روح الإيمان حيي به فوجد الله وعبده على

الوحدانية ، وشهد له بالملك والحمد ، وأنه على كل شيء قدير ، استعمله له بأن رد

منفعة عمله إليه ، وأحياه به حياة طيبة ، وأعده له نزلًا عنده في اليوم الآخر ، ثم إن

ارتقى في أسباب العلم وتبوأ بحبوحة الإيمان كتب في قلبه الإيمان ، وأيده بروح

منه ، ولما إن كان هذا الروح منه منسوبا إليه نالته بركته ، وأشاع عليه من نوره

فكشف له عن حقيقة كلمة"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"وفقهه في معنى

قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) . وأشهده عبادة المعبود وسؤال

المسئول على علم وفهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت