وما كانت رؤية أولئك تزيدهم في العبادة ، وإنما هي مشاهدة من لا مشاهدة له
لا يعقلون ولا يبصرون .
أرى - والله أعلم بما ينزل - أن التماثيل التي كانت الجن وحكماء الإنس
يعملونها لأهل ذلك الزمان الذي كان فيه سليمان - عليه السلام - ، وكان يأمر بها فتعمل له
تماثيل الهيئة ، يصورون في ذلك مجاري الأفلاك ومواقع النجوم ، ويقربون بالتمثيل
كيف خلق الله السَّمَاوَات والأرض الحق ، ومسالك ذلك الحق بالأمر في التمثيل به ؛
ليتأكد بذلك اليقين ، ويقرب العلم ويسهل التذكر واعتبار الأفكار ، لتقرأ العقول ذلك
نظر التقريب صحة ذلك واتصاله بعلم النبوة وإشراق نورها .
والجَوْبَة: الحوض العظيم تشرب فيه الإبل والمواشي ، وهي كالمواجل
الممسكة للماء ، شبه بذلك تلك الجفان المعمولة له يومئذٍ لعظمها ، والقدور
الراسيات ؛ أي: المقيمات في موضع واحد لا تزول لعظمها ولا تنقل ، توقد النيران
تحتها فتطبخ فيها ، وإنما يصف في هذا عظم الملك وفخامة الشأن .
واعلم أن ملك سليمان - عليه السَّلام - من أعظم الدلائل على وجود ملك الآخرة لأجل
وجود المشاهدة ، وما وصفه الله - جل ذكره - من وجود موجوداتها فيما هنالك
كان عمدة ملكه تسخير الرياح والسحاب والجن وحكماء الإنس والطير والجنة في
الآخرة عمدة موجوداتها ، على أن الله - جل ذكره - غرس أوائلها بيده واستعمل لها
ملائكة عليين ورياح ما هنالك وسحاب ما هنالك وأرضه وموجوداته (وَمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) . (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) قيل: هو
النحاس ، وهو فيما هنالك سائل ، كما ألانَ لأبيه داوود - عليهما السَّلام - الحديد ،
وهو فيما هنالك لين منه ، تفتل سلاسل جهنم ، أعاذنا الله برحمته منها .
قال الله - جل من قائل: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ(5) . أي: مفتول
محكم الفتل .
قال الله - عز من قائل: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) فعدد
من إنعامه أن أنزل الحديد في بأسه وشدته ، ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ،
ولينتفع بتلك الشدة العباد ، وكانت الجبال تسبح معه والطير ، وكذلك موجودات